كانت قاعه المحكمة غاصة بالحاضرين ليسمعوا كيف ينصب الحكم على الشخص الذي اتهم بقتل والده وقد اكتملت هيئة المحكمة للنظر في هذه القضية العجيبة وإصدار الحكم الأخير
وقف المدعي العام قائلاً: ان المتهم شاب ماجن لقد قتل والده من اجل الحصول على النقود ولكي يرث بسرعة ان المتهم ارتكب جريمة شنعاء وياليته ارتكبها مع شخص لا ينتمي له بصله او قرابه بل ان المصيبة الكبرى التي لا يرضى عنها الله انه ارتكب الجريمة ضد والده واقرب الناس له وإذ اطلب من العدالة ان تطبق اقصى العقوبات على هذا الذي لا يستحق الرحمة لأنه لم يرحم شيخوخة والده وقتله والسبب واضح وضوح الشمس والقصد هو الحصول على المال لكي يصرفه على ملذاته المستهترة بجميع ما انزل من السماء من رحمة بالوالدين والرأفة بهم ،
قال تعالى (ولا تقل لهما اف ولا تنهرهما)
فهل نسي هذا التحذير من عند الله عز وجل فكيف لا أطالب بمعاقبته بالقتل
وفي هذه اللحظة ساد الهرج قاعة المحكمة ودق رئيس المحكمة المنصة طالباً من الحاضرين السكوت فساد صمت ثقيل جعل المتهم يقع في حالة يأس
بينما أشار القاضي للدفاع بأن يتكلم فقال: لم أقف مدافعاً عن المتهم الا وانا واثق انه برئ واليكم تفاصيل الحادث كما وقع،
ان والد المتهم كما عرفتم غني وليس عنده من الأبناء غيره والوالد لم يقصر في حق ابنه هذا ولا يتسرب الظن الينا بأنه أراد قتل ابيه ليستولي على جميع أمواله وان المتهم من المطيعين لوالده ولم يخالف له امراً ما واني اعرف هذا لأني محامي لوالده منذ عشرين عام واعرف كل المعرفة عن احوالهم الداخلية والخارجية وبشهادة الشهود ان علاقة الاب بابنه كانت حسنة وطيبه وانه لم يتسبب بأذى لوالده فكيف يقوم بارتكاب جريمة وهو المسالم ومع من مع والده فهل العدالة تصدق في ذلك ومعروف حسب تقرير الطبيب ان والد المتهم مريض بالقلب منذ زمن بعيد وكان الطبيب الذي اعطي التقرير عن سبب وفاته قال : انه توفى بالسكتة القلبية ولم تكن هناك أي عوامل سببت موته
فقال المدعي العام: ان المتهم اعترف بنفسه انه قد وضع لوالده من الدواء أكثر من اللازم وقد حذر الطبيب المريض عدم اخذ أكثر من ثلاث نقاط في حالة النوبة القلبية وقد اعترف المتهم بنفسه انه وضع حوالي عشر نقاط ليجعل والده في غيبوبة ليتمكن من اخذ النقود حتى يذهب الى أصدقائه لقضاء وقته في اللهو والمجون
فعليه تسبب في قتل والده متعمداً ولهذا فاني اطلب من العدالة تطبيق اقصى العقوبات على المتهم الماثل امامكم
فقال المحامي: اليكم الحادث بالتفصيل واني مطمئن الى عدالتكم العادلة
في ذلك اليوم المشؤوم كان المتهم قد وعد بعض أصدقائه بالقيام بنزهة في سيارته وكانوا كلهم من الطلبة وعند الموعد المحدد اجتمعوا للذهاب الى النزهة المزعومة وقد احتاجوا وقود بالسيارة فجاء المتهم الى والده واخبره بأمر الرحلة وانه بحاجه الى النقود وما كان من الاب الا ان غضب وزمجر ورد على غير عادته واجابه بقوله لا داعي للذهاب وقال الابن لقد وعدت زملائي وانا رجل اقف عند كلمتي وكذا عودتني من صغري فكيف تريد ان اخل بوعد قطعته على نفسي
فما كان من الاب الا انه زجر ابنه ومنعه من الذهاب محذراً إياه وقال له أنى سوف لا عطيك نقوداً لشراء ما تحتاج اليه
فبينما هما في هذا الجدال وإذا النوبة تعاود والد المتهم فحمل الابن والده الى السرير واراد ان يعطيه الدواء المسكن للقلب وعندما حمل زجاجة الدواء خطرت بباله فكرة ان يعطي والده اكثر من اللازم لينام نوما عميقا لأنه سمع ان الطبيب يحذر والده بان لا يستعمل اكثر من ثلاثة نقط من الدواء لأنها اذا استعمل اكثر يكون في شبه غيبوبة وينام طويلاً
فنفذ الابن الفكرة وأعطى والده اكثر من المعتاد وقال عندما ينام والدي اخذ ما احتاج اليه من النقود واذهب لقضاء يومي في النزهة مع اصحابي واعود يكون والدي قد افاق من نومه وهذا هو قصد الابن لا غير وفعلاً اعطى والده الدواء وقد نام نوماً عميقاً وذهب الابن مع أصحابه وقضوا يومهم متمتعين ولم يخطر ببالهم شيء وعند العودة وحين اقترب من الدار سمع صياحاِ ودخل وهو منزعجاً واخبروه ان والده قد مات ودخل الدار وهو يصرخ حتى وصل الى غرفة نوم والده واذا بالطبيب هناك وقال وبدون ان يشعر انني انا السبب في قتل والدي لقد قتلته فهدأ الطبيب من روعه وقال له اخبرني ما لذي حصل فقص على الطبيب ما حصل بينه وبين والده وانه اعطى والده عشر نقط بدلاً من الثلاث التي أوصى بها الطبيب فطمأنه الطبيب ان الدواء مهما كثر لا يمت ولكن والده قد مات بالسكتة القلبية وحضرت الشرطة واخذت اقوال الابن والطبيب والخادمين وعلى هذا الأساس قدم الابن الى المحكمة بصفته متهماً بقتل والده
فلما سمع القاضي واعضائه بالمحكمة تلك القصة أشار رئيس المحكمة ونودي على الشهود وكانوا اربعه هم العاملون في منزل والد المتهم وشهدوا بم يعرفونه عن الحادث
وسألهم القاضي هل كان بين الاب والابن مشاحنات او منازعات من اجل نقود او غيرها فأجمعو كلهم ان العلاقة بين الاثنين طيبه وان المتهم مطيعاً لوالده ومجداً في مدرسته والأب يحب ابنه وقد وفر له جميع ما يلزمه من حاجيات وانه وحيده وقد ماتت والدته وهو صغير وقام والده على تربيته ولم يقصر الاب في حق ابنه في يوم من الأيام وكذلك الابن في حق ابيه وانهم يشهدون لوجه الله ببراءته
وجاء دور الطبيب وسأله القاضي وقال نفس ما قاله الشهود وأضاف ان المتوفي كان يعاني في اخر أيامه ضيقاً شديداً في التنفس وكذلك نوبات قلبيه تأتيه بصورة دائمة وحادة جداً وكنت شخصياً متوقعاً موته بين حين واخر واني على اتم استعداد ان اثبت لكم ان الدواء الذي شربه الاب من يد ابنه لا يميت قطعياً بل انه يجعل الانسان ينام بعمق ولا يتسبب في موت أي شخص واني ارجو ان تكون براءة هذا الابن الطيب على ايديكم العادلة
وفي هذه اللحظة قام المحامي واستأذن المحكمة وقال للرئيس : ان المتهم الماثل امامكم لو كان يقصد قتل والده هل يعترف بهذه السهولة ؟
وفي تلك الاثناء دخل القاضي والأعضاء حجرة جانبيه للتداول في القضية بينهم وبقيت القاعة في هرج واجتمع المتهم والمحامي والطبيب معا يتكلمون في الموضوع نفسه ويطمئنون المتهم ببراءته وبعد فترة دامت ربع ساعة تقريباً خرج القاضي والأعضاء وجلس كل منهم في مكانه على المنصة فأنتبه الجميع لسماع اصدار الحكم على المتهم
وقال القاضي معلناً حكم المحكمة: لقد حكمت المحكمة ببراءة المتهم لأنه لم يكن يقصد قتل والده ولان المتوفي مات بالسكتة القلبية ومن اثر ضيق التنفس حسب ما جاء في تقرير الطبيب وعليه فإن المحكمة تبرئ هذا المتهم من القتل
وفي هذه الاثناء اقبل الجميع على المتهم يهنئونه بالبراءة وخرج من قفص الاتهام مع المحامي والطبيب والشهود متجهين الى المنزل فرحين ببراءة المتهم.
بقلم / خضر محمد العلي
كتبت في جدة عام / ١٩٦٣م