مضت حقبه من الزمن وهو قابع وراء مكتبه بدائرة حماية الحدود ولم يكن خالد طموحاً في حياته وكان يبدو عليه الكسل والقناعة في كل شيء في مظهره وفي طريقه كلامه ولا يتحدث كثيراً بل لم يدخل في مناقشة او جدال مع الاخرين وكان يبدوا مسالماً في كل تصرفاته بل انه لم يفكر يوماً ان يغير وضعه الي ان أراد الله له ذلك في احد الجزر النائية حيث اعلن عن وظيفة حارس حدود في أعماق البحر وفكر في الموضوع ملياً وخصوصاً انه سوف يكون بإمكانه النزول الى البلد كل عشرة أيام تقريبا لقضاء لوازمه الخاصة ومراجعة دائرته لتلقي التعليمات لاسيما انه يوجد تحت تصرفه زورق صغير يتجول فيه بحكم عمله في حراسة الحدود الساحلية كذلك باستطاعته زيارة البلد حينما يشاء كل هذه التخيلات دارت امام عينيه وكأنه ينظر الى شريط سينمائي وهو قابع وراء مكتبه في وظيفته الإدارية الروتينية والتي اورثته الكسل والخمول وفكر ملياً في الموضوع ونفذ الفكرة بأن تناول ورقه وقلماً وكتب معروضاً طالباً فيه تعيينه على هذه الوظيفة وبم ان دائرته بحاجه الى شخص ليملئ هذا الفراغ فانهم وافقوا فوراً على طلب خالد وتم التعيين على الوظيفة الجديدة وطلب من خالد ان يكون علي رأس عمله بعد أسبوع هذا وقد تمت الإجراءات لمثل هذه الحالات وما على خالد الا ان يذهب لمقر عمله الجديد وهو الجزيرة كما اسلفنا ليشرف على تنظيم المسكن الجديد والذي هو على حساب الدولة وهذا من العوامل التي شجعته على طلب هذه الوظيفة وفي زعمه انه سوف يقتصد كثيراً عندما يكون هو وزوجته بهذا المكان النائي الهادئ
ليس امامه سوى الطبيعة والبحر والاسماك والتي هي في متناول يده متى أراد اصطيادها هذا كل ما فكر به ولم يفكر بشيء اخر سواه
وفعلاً تم كل شيء وخصوصاً بالنسبة لزوجته وقد افهمها بكل ما نوى عليه وما اقدم عليه من الحياه الجديدة وانه ذاهب الى مقر العمل لتنظيم شئون السكن وعمل كل ما يلزم وفعلاً غادر المدينة الى الجزيرة وذلك بواسطة الزورق لأنه هو الوسيلة الوحيدة للوصول الى مقر علمه والجزيرة لا بأس بها من ناحيه المساحة فهي ليست صغيره وبها طبيعة جميله حيث يكثر فيها الأشجار المتناثرة هنا وهناك بدون تنظيم وكذلك الحشائش الخضراء والتي اعطتها منظراً خلاباً بالإضافة الى اسراب الطيور الجميلة والتي موجودة بكثرة في الجزيرة وخصوصاً لقضاء الليل والتفريخ فيها، احس خالد بكل ما حوله واخذ يحدث نفسه بقوله يا له من منظر خلاب وهدوء مريح للأعصاب ويالها من سكينه للنفس هذا الجو والطبيعة والهدوء هو ما يبتغيه خالد وكم كان يتمني الابتعاد عن ضوضاء المدينة وزحامها والبشر والجدال والنقاش الذي ينتهي عادة بدون الخروج الى نتيجة ولأول مره يحس خالد بأن الهواء الذي دخل رئتيه انظف وانقى هواء استنشقه في حياته تخيل زوجته بجانبه تشاركه في كل ما شاهده وحس به ثم توجه مع رفيقه سائق الزورق الى المنزل الوحيد بتلك الجزيرة والقابع في احد أركانها وعندما اقتربوا منه وجدوه يقع على ربوه مرتفعة تطل على البحر والمنزل عبارة عن كوخ من الخشب يبدو عليه الإهمال ويحتاج الى اصلاح والدولة سوف تساهم بقدر كبير معه في اصلاح هذا المنزل هذا وقد قام خالد بترتيب وإصلاح ما امكنه إصلاحه وذلك بمساعدة سائق الزورق ثم عاد خالد الى المدينة واخبر زوجته بكل ما شاهده في الجزيرة وطلب منها اعداد وتجهيز جميع لوازم المنزل من عفش وأدوات مطبخ استعداداً للرحيل بينما ذهب خالد الى السوق ليشتري جميع لوازمه الغذائية لمده أسبوع على الأقل وقد فرح خالد لان كل شيء سار حسب ما تخيله وحسب الجدول الذي وضعه لنفسه لاسيما بأن ما أقدم عليه من تغيير هو اول عمل يقدم عليه من تاريخ التحاقه بالوظيفة هذا ولو علم ما يخبئه له المستقبل لمَ اقدم على هذه المغامرة ولكن لا يعلم الغيب الا الله عز وجل .
استقر خالد وزوجته في عشهما الجديد ومضت أيام على زوجه خالد وكأنها السنين بينما خالد يراها من أجمل واسعد أيام حياته
كانت الحياة روتينية جدا بالنسبة لهم فخالد يقوم بجولاته في اول الفجر وعند الظهر وعند الغروب وفي أواخر الليل قبل النوم ليتفقد السواحل والحدود ثم يعود الى الجزيرة للراحة
اما زوجته فلا عمل لها سوى تحضير وجبات الطعام والتجوال بالجزيرة للنزهة كل يوم ثم العودة الى منزلها في انتظار زوجها حين عودته ، اما بخصوص سائق الزورق فأنه يذهب احياناً الى المدينة واحياناً يمضي الليل معهم اذا كان متعباً تلك الليلة وظل الجميع على هذه الحالة لمدة ثلاثة اشهر والزوجة يتسرب اليها الملل يوماً بعد يوم ولم تخبر زوجها بصراحة بكل كانت تلمح بهذا الموضوع تلميحاً خفيفاً كلما وجدت فرصه الا ان زوجها لم يكن يناقشها لأنه ايقن بأن الملل تسرب الى نفسها لعدم وجود انيس بهذه الجزيرة لاسيما هي التي تعودت على مخالطه الجيران وزياراتها المتكررة لأفراد اسرتها في كل مناسبة هذا ولم تمضي فتره حتى صارحته بانها لا تستطيع البقاء اكثر من ذلك وطلبت منه العودة الى المدينة وان تقيم عند اسرتها لحين تغيير وضعه هذا لاسيما انهم قد فقدو منزلهم بالمدينة
هذا ولم يبدوا على خالد معارضه ولا موافقه لزوجته بل لزم الصمت التام لأنه فكر في الموضوع جيداً ووجد ان زوجته على حق في طلبها وكذلك وجد نفسه على حق لان طبيعة عمله تقتضيه الإقامة في هذه الجزيرة وبهذه الصورة التي يعيشها وبعد مضي أيام على مفاتحه زوجته له بطلبه العودة الى المدينة أخبرها بانه موافق على طلبها وان تسكن عند اسرتها لحين ان يتدبر امره مع عمله
وذهبت زوجته وكان يزورها اذا ما سمحت له الفرصة عند زيارته المدينة لقضاء حاجته او عند الذهاب الى عمله لتلقي التعليمات هذا وقد مضت عليه حقبه من الزمن وهو على وضعه هذا دون ملل منه او ضجر وقد اقام سائق الزورق معه في المنزل بعد رحيل زوجته بصورة دائمه وشاء القدر ان يتدخل وفي احدى الأيام فوجئوا بزورق قادم للجزيرة وعند وصولهم اخذوا ينزلون وقد عرف خالد منهم انهم جماعة قاصدين الجزيرة للنزهة ولقضاء عطلة الأسبوع بها واستأذنو خالد في ذلك وقد رحب بهم كل الترحيب بل انه اندمج معهم وكانه احدهم وقد قضى الجميع ذلك اليوم في اصطياد السمك وعند حلول المساء تجمعوا في منزل خالد للسهر به وكان كل واحد فيهم يعمل ليعد طعام السهرة وكذلك خالد كان همه تامين مكان لضيوفه للنوم وقضاء ليله مريحه في ضيافته وعند حلول موعد النوم استلقى كل واحد منهم على فراشه طلباً للنوم بعد قضاء يوم جميل ظل خالد مستلقياً على فراشه وهو يفكر في امره وفي زوجته التي هجرته وكان بجانبه شاب من أعضاء الرحلة لاحظ على خالد القلق وكان فراشهما جنباً الى جنب فسأل طارق وهذا اسمه خالد عن ما يقلقه وعن الأسباب التي أبعدت النوم عن عينيه الى وقت متأخر من الليل
فنظر اليه خالد مبتسماً وقال له انها قصة العمر فتشوق طارق الي سماعها فاخبره خالد بكل ما حصل له وكيف انه انتقل الى هذه الجزيرة وكذلك عن زوجته التي هجرته ولم تبقى معه في الجزيرة وقد وصف زوجته لطارق ووصف جمالها واخلاقها مم لفت نظر طارق الى ذلك وانه لا يملك من ذكراها سوى صورة في جيبه محتفظاً بها عندما يعاوده الحنين اليها يتأملها بحنان وشوق كل هذا ولم يلاحظ خالد الانفعال الذي بدا على طارق عند سماع هذه القصة وخصوصا عند سماعه عن جمال زوجه خالد وقد انتهى الاثنان من حديثهما واستسلما للنوم وعند شروق الشمس نهض الجميع مستقبلين اليوم الثاني للرحلة والأخير أيضا لانهم سوف يغادرون الجزيرة وعند قرب المساء تأهب الجميع للرحيل وفعلاً رحلوا بعدما قاموا بوداع خالد وزميله شاكرين لهم حسن ضيافتهم
وجلس خالد يستعرض ما كان من هؤلاء الشباب وكيف انهم آنسوا وحدتهم لأيام مضت وقد عاود الحنين خالد الى ذكرى زوجته وتمنى لو كان معهم ذاهباً الى المدينة لرؤيتها وعندما خطرت بباله تلك الخاطرة قام الى ملابسه باحثاً عن صورة زوجته كعادته فلم يجدها وعاود التفتيش بدقه فلم يعثر عليها وظهر عليه الانزعاج ولاحظ السائق ارتباكه وسأله ماذا به فأخبره بم حصل وانه يشك بأن طارق قد سرق الصورة وربما يحاول الاتصال بزوجته لإغرائها او لغرض في نفسه الخبيثة وقد لامه زميله كثيراً على تصرفاته هذه وقال له ان هذه أمور عائليه تخصك لوحدك ولا يجب ان تطلع عليها احداً غيرك
وكان خالد في اشد حالات الفزع والخوف من تصرف طارق هذا الا ان زميله طمأنه وأخبره ان طارق سوف لا يخطف زوجته ولا يستطيع عمل اي شيء.
قال خالد له قم بنا نذهب للمدينة وعند تأهبهم للنزول جاءتهم مخابره بان هناك مهربين وعليهم تتبع خطواتهم وارشاد السلطات بتحركاتهم حتى يمكن القبض عليهم وقد تلقى خالد هذه المكالمة وكأنها صاعقه نزلت عليه وقد استمرت مراقبه خالد للمهربين عدة أيام وكانت من أطول أيام حياته وبعد مضي أسبوع تقريباً تمكنت السلطات من القبض على المجرمين وفي هذه الحالة تمكن خالد من الذهاب الى المدينة وكأنه يزورها لأول مره في حياته وفور وصوله الشاطئ توجه فوراً وبدون تفكير الى منزل اسرة زوجته وعند وصوله لم يطرق الباب كعادته بل دخل مسرعاً الى الداخل وهو يصيح اين هي ؟ اين هي؟ فلقيه جميع من في المنزل بدهشة لتصرفاته هذه فأخبروه بوجودها فوقع في اغماءه من فرط انفعاله وعندما صحى وجد زوجته بجانبه وسالته عن تصرفاته هذه فاخبرها عن ذلك اليوم المشؤوم الذي قابل فيه ذلك الشاب وزملاءه في الجزيرة وعن قصه الصورة التي فقدها واخرجت الزوجة الصورة وقالت له وفي لهجتها غضب وزعل لا تخف ان الصورة معي فاستغرب خالد وسألها كيف حصلت عليها؟ فأخبرته بان ذلك الشاب اتى الى منزلهم وطلبها شخصياً وأخبرها بكل ما حصل واراد اغرائها وأنها أي الزوجة قد تحايلت عليه واخذت الصورة منه
وقد عاتبت زوجها على هذا التصرف الغير مسؤول كذلك اخبرت زوجها ان ذلك الشاب طلب منها الانفصال عن زوجها ليتزوجها وانه شاب غني وقد أحبها عندما سمع قصتها من زوجها وخصوصاً عندما رأى صورتها وجمالها
صمت ثقيل مر على خالد وقد تغير وجهه ............ثم سأل زوجته ما رأيها في هذا الموقف؟
فصارحته زوجته بآن لا يقف في طريق مستقبلها على حد قولها وان يتركها في حال سبيلها لأنها لا تستطيع العيش معه وهو على حالته هذه وخصوصاً عندما ذهب الى تلك الجزيرة برغبته
وكل هذا وهو في دهشة من امره عندما سمع كلام زوجته وهولا يصدق اذنيه وظن انه يحلم وحاول ان يقف فلم يستطع وحاول ان يتحرك فوجد نفسه عاجزاً عن الحركة فطلب من أقارب زوجته ان يعينوه على الوقوف وعندها تأكد انه أصيب بشلل اعاقه عن الحركة بسبب هذه الصدمة التي لم يكن يتوقعها وخصوصا من زوجته كل هذا وزميله سائق الزورق في انتظاره بالخارج فطلب منهم مناداته وعندما دخل السائق وجد صاحبه في حاله يرثى لها ولم يصدق عينيه عندما رأي خالد لا يستطيع السير على قدميه فساعده وذهب معه الى أخيه الوحيد ليخبره ما حصل ثم بعد ذلك طلب من السائق ان يذهب الى مقر عمله ويخبرهم عن جميع ما حصل له وكذلك رغبته في البقاء في الجزيرة لمواصلة عمله حتى يتسنى له الشفاء مع مرور الزمن او حتى يقضي الله امراً كان مفعولا
وفعلاً عاد خالد الى الجزيرة ومعه زميله سائق الزورق وظل خالد يستعيد ذكريات الماضي بعد ان بعث بورقة الطلاق لها غير نادم على زوجة مثلها لأنها لم تقدر كفاحه واخلاصه هذا وقد أمضي خالد بقية حياته بالجزيرة حتى المدينة قاطعها فلم يعد يقوم بزيارتها كما كان يفعل في الماضي وكل متطلباته يجلبها له السائق دون ان يفكر في النزول الى المدينة لأنه لم يعد له أي اتصال بها وخصوصاً لا يوجد لديه أقارب حتى يقوم بزيارتهم او السؤال عنهم ما عدى اخ له وهو ايضاً مشغول في حياته
اما بخصوص خالد فانه عزم على البقاء طوال حياته بالجزيرة حتى يستقبل ربه عندما يحين الاجل المحتوم
اما بخصوص زوجته السابقة فقد تزوجت ذلك الشاب بعد حصولها على الطلاق ولكنها لم تكن هانئة وسعيدة لان ضميرها كان يؤنبها طوال الوقت لم ارتكبته في حق زوجها المسكين الذي أصيب بالشلل بسببها وكان يدور في خاطرها احياناً عندما تنظر الى زوجها الجديد بآنه حقير ومتآمر لأنه اغراها بكل الوسائل الحقيرة وكانت لا تستطيع البوح له او لغيره من اقاربها بم يعتلج في صدرها من كراهية لزوجها الجديد على تصرفه مع زوجها السابق وكذلك احتقرت نفسها لأنها اطاعته أيضا وكانت تظن انها سوف تهنئ في حياتها الجديدة ولكن شبح زوجها السابق لم يفارقها لحظة وهكذا عاشت في قلق وفي حيرة من امرها مشتتة الافكار ولا يهنئ بالها ليل ولا نهار .
بقلم / خضر محمد العلي
الدمام عام ١٩٦٨م