كانت الطائرة تسبح في الفضاء متوجهة الى بلد عربي وكان احمد جالساً بالدرجة الأولى ينظر في الصحف دون أي مجهود في تتبع ما فيها من اخبار فهو لسوء الحظ لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولكنه يقلب الصحيفة لأنه من ركاب الدرجة الأولى وعندما وجد المقصورة خاليه لا يوجد بها احد وضع الصحيفة بجانبه واخذ يتململ ويلعن تلك المظاهر التي اجبرته على ركوب الدرجة الأولى التي لسوء الحظ لا يوجد بها احد سواه وخصوصاً انه لا يحب الانفراد في السفر وعليه ان يتبادل الحديث مع غيره من الركاب وحديثه دائماً عن موضوع واحد لا يتغير وهو مركزه الاجتماعي ثم ثروته التي تبلغ ملايين الريالات استلقى احمد براسه الى الوراء وترك لبطنه المتكورة حرية البروز في فراغ المقصورة وراح في سبات عميق يصاحبه صوت شخيره الذي بدا يعلو شيئاً فشيئاً
منذ زمن غير بعيد لم يكن احمد يحلم انه سيكون من ضمن ركاب الدرجة الأولى ولو قرأ له قارئ كف هذا الحلم لضحك على القارئ ونفسه
عندما قامت الحرب العالمية الأخيرة أصبحت بلد احمد احد المراكز لجيوش المحاربين ثم خطرت لبائع الخضار المتجول فكرة لماذا لا يمون هذه الجيوش بسلعته انهم بحاجة اليها بدون شك
وفعلاً نفذ الفكرة وأصبح احمد محتكراً توريد الخضار لهذه الجيوش ثم متعهد توريد لجميع لوازمهم من المواد الغذائية ومن هذا الطريق أصبح احمد من أصحاب الملايين فخلع الثوب الرث ولبس اللباس النظيف وزين أصابع يديه بالخواتم الثمينة مبالغة في اظهار الغنى واصبح بهذا المظهر الجديد من الذين يستحقون الاحترام في نظره على الأقل واصبح يقول لكل من يصادفه ان ابي وجدي من اغنى الأغنياء
ولنعد الى احمد بالطائرة، بدأ يحرك رأسه ويتثاءب استعداداً للقيام من النوم لقد فتح احدى عينيه أولا ثم فتح العين الأخرى
نزلت الطائرة في احدى المطارات العربية ونزل ركابها وبدأت تغص بركاب اخرين ولكن مقصورة احمد التي هي درجة أولى ظلت خاليه الا منه ها هو يسمع وقع اقدام مقبله فيشرئب بعنقه ليرى من القادم انه يتمنى ان يبعث الله له براكب من ركاب الدرجة الأولى ليتبادل معه الحديث دخل المقصورة أحد المسافرين يحمل معه حقيبة يد صغيرة وجلس بجوار احمد واقلعت الطائرة وسادت فترة سكوت لم يترك احمد لها فرصة فقد بدأ الحديث بقوله السيد مسافر الى ............
فرد عليه المسافر الاخر لا ولكني مسافر الى بلد اخر أقرب واخذ احمد يفكر في كلمة أخرى يقولها فلم يجد سوى هذه الجملة: يظهر ان السيد من رجال الاعمال مثلي
فابتسم الراكب وأجاب: نعم لكن الاعمال صنوف مختلفة متعددة
فقال احمد: نحن رجال الاعمال لا نقر في مكان دائماً مسافرين واني في طريقي من اجل صفقة تجارية كبيرة وسوف اعود غداً لأني أشرف على اعمالي بنفسي ولا اعتمد على غيري ولدي عمارة ابنيها كلفتني الملايين
فقال الراكب: هذا مبلغ كبير
فقال احمد : هل تعتقد ذلك ان هذا مبلغ بسيط جدا بالنسبة لي وضحك وتعمد ان يفتح فمه اكثر من اللازم حتى يرى المسافر اضراسه الذهبية ولْمَ اطمأن من ذلك اطبق فمه واستأنف الحديث قائلاً كان يخيل لي ان مبلغ ثمانية ملايين كبير لكني الآن استطيع احضار اكثر من هذا المقدار في خلال أيام معدودة وهنا انفتح باب المقصورة وأطل منه المضيف وكان يحمل المرطبات فأخذ احمد وكذلك المسافر وفي لمح البصر كان احمد قد افرغ ما في الزجاجة ثم أعطاها للمضيف واعطاه نقوداً مبالغة في الكرم فانصرف المضيف شاكراً فقال احمد : ان المضيفين مساكين لا يستقرون في الأرض ولا في السماء فضحك المسافر على هذا التعليق وسادت فترة من الصمت لم يفتح الله فيها على احمد بكلمة واحده وفجأة التفت المسافر اليه وقال : لو يسمح السيد بان اساله سؤال فاعتدل احمد في جلسته وقال مستعداً لتلقي السؤال
فقال المسافر: هل تعتقد ان رجل الاعمال يجب ان يكون شريفاً دائماً ونزيهاً في معاملته
فضحك احمد ثم قال: هذا السؤال غريب لكن الصراحة حلوه انا لو تمسكت دائماً بالشرف لم كنت احلم بان اصل الى هذا المركز الذي انا فيه الان ولا تصل ثروتي الى ملايين الريالات باي حال من الأحوال
فتفرس فيه المسافر وقال: افهم أنك قد جمعت هذه الثروة عن طريق غير مستقيم
فقال احمد: الامر لا يخلو في بعض الأحيان انا رجل صريح وانطلق يضحك بصوت عال وقال للمسافر: انت ايضاً جمعت ثروة كبيرة بهذه الطريقة فلم يرد عليه المسافر ولكنه جذب حقيبة يده وفتحها وإذا بأحمد يفتح فمه دهشه مم رأى في الحقيبة لقد كانت ممتلئة بالذهب الأحمر
وقال صاحب الحقيبة: هل تشتري؟
فلم يفهم احمد ما كان يعنيه المسافر فرد ماذا اشتري؟
فقال المسافر: ما في هذه الحقيبة من ذهب سوف ابيعك هذه الكمية بمبلغ مائة الف ريال في حين ان قيمتها اضعاف ذلك فدهش احمد واستغرب
فقال المسافر وقد لاحظ دهشته: إنها مزيفه
فأجاب احمد وقد تملكه الفزع: تقصد ان كل ما في الحقيبة من ذهب مزيف
فرد عليه المسافر: نعم انه مزيف ولكني أتحدى أكبر خبير ان يقول ان هذه الجنيهات الذهبية مزيفه
فاخذ احمد احدى الجنيهات وصار ينظر اليها بإمعان وقال حقيقة انها مزيفه بمهارة فائقة انا لا أرى فيها اختلاف ولا أي فرق بينها وبين الجنيهات الحقيقية وقال مكرراً ما قاله المسافر تريد ان تبيع ما في الحقيبة بمبلغ مائة ألف ريال؟
فأجاب: نعم
فقال احمد: اشتريت
فقال المسافر: وانا بعت على شرط ان يكون المبلغ نقداً
فتناول احمد حقيبة بجانبه وكانت تحوي نقوداً من فئة كبيرة وناول المسافر المبلغ المتفق عليه واخذ يفرك يديه وبان على وجهه السرور من هذه الصفقة التجارية غير المنتظرة ولا في الحلم وفي هذه اللحظة وصلت الطائرة الى أحد المطارات العربية حيث سينزل المسافر فنهض احمد مودعاً إياه بكل حفاوة وتقدير واقلعت الطائرة الى البلد التي يقصدها احمد
ولكن اين ذهب ذلك المسافر الذي باع الحقيبة بما فيها من ذهب
ذهب الى الضابط المناوب وأخبره متظاهراً بالخوف والفزع انه قد نسي حقيبته بالطائرة بما فيها من ذهب فنظر اليه الضابط مستغرباً
وأردف يقول ان لي والداً شديد البخل والحرص ولا يثق بأحد وقد كلفني احمل له هذا الذهب
فطمأنه الضابط بقوله انتظر حتى تصل الطائرة الى المطار الذي تقصده حيث اننا لا نستطيع ارجاعها وقد اتصل الضابط بالمطار وطلب من الضابط هناك ان يذهب الى الطائرة بالدرجة الأولى ويحضر حقيبة الذهب وحفظها لحين طلبها وما ان هبطت الطائرة بالمطار حتى صعد رجال الشرطة الى الطائرة التي بها احمد وما كاد يراهم حتى اصفر وجهه وأيقن انه وقع في فخ نصب له ووقف رجال الشرطة بالمقصورة التي بها احمد ونظر اليه الضابط متسائلاً هذه الشنطة لك؟
فقال احمد بعد ان استجمع قواه: لا اعرف عنها شيئاً لقد نسيها راكب كان هنا وقد نزل وظننت انه راجع ولا اعرف صاحبها
فقال الضابط: انها الحقيبة التي نبحث عنها وفتحها ووجد الذهب كما كان واخذها وانصرف وعندما غادر رجال الشرطة الطائرة تنفس احمد الصعداء فهذه في اعتقاده نقود مزيفه وامتلاكها يقود الى السجن بدون قيد او شرط وبعد نحو ساعتين كانت الحقيبة في يد صاحبها شاكراً للشرطة كفاءتهم
وتعجب من نفسه كيف خطرت له تلك الفكرة الشيطانية التي جعلته يعرض على هذا الغبي بيع نقود ذهبيه موهماً اياه انها مزيفه ثم قال لنفسه لابد ان مبلغ مائة ألف التي اخذتها من ذلك الرجل قد حصل عليها من طريق غير شريف
اما احمد فقد حمد الله علي انه قد تخلص من مصيبه كاد يقع فيها مضحياً بالمبلغ الذي دفعه قيمة للذهب معتقداً ان ذلك الذهب مزيف ثم قال لنفسه مكرراً الدعاء احمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
بقلم / خضر محمد العلي
سنة / ١٩٥٧