بعد عصر يوم دافئ من أيام فصل الشتاء احمد يقود سيارته وما ان اخذ الظلام يخيم حتى اخذت الامطار تنهمر بغزارة يتخللها الرعد والبرق مع برد شديد ولم يهتم احمد لهذا لأنه متأكد من ان سيارته ستوصله بسلامه الى الفندق الذي كان يقصده ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن قبل ان يصل الفندق وقعت السيارة في حفرة وغمرتها المياه قرب القرية التي يقصدها.
فكر احمد هل يقضي هذه الليلة داخل السيارة ؟
نزل من السيارة في محاوله لإخراجها من الحفرة وفي دقائق بلله المطر وقد اشتد هزيم الرعد والبرق وهطل المطر بغزارة وبينما هو يفكر ماذا يعمل واذا برجل واقف في نافذة البيت القريب منه في هذه المنطقة فرأى ما حصل لأحمد فاسرع دون تردد لتقديم المعونة اليه داعياً احمد الى منزله وهكذا وجد نفسه في حجرة دافئة جالساً على مقعد مريح وهو يشرب فنجاناً من الشاي الساخن فشكر احمد صاحب المنزل على نجدته له
فقال لا داعي للشكر ستجف ثيابك وسيارتك وستصل الى حيث تقصد بعد قليل وسأوصلك بنفسي والان اشرب كاساً اخر من الشاي فنظر اليه احمد بتمعن ووجد صاحب المنزل في منتصف العقد الرابع من عمره ولكنه يبدو كشاب لا تتجاوز سنه الثلاثين بحال من الأحوال
واحمد شاب في العقد الثاني من عمره اسمر اللون معتدل القوام وقد تبادل الاثنان الحديث الذي بدأه بحالة الطقس وبينما هما في الحديث وإذا بعاصفة هوجاء ارتجت لها ارجاء البيت وعلى أثرها انطفأت الانوار وبعد دقائق قضياها في التفكير غادر الضيف البيت ليستطلع أثر الامطار وانقطع تيار الكهرباء وعندما رجع أخبره انه لا سبيل للذهاب الى الفندق لان الامطار تنهمر بغزارة وكذلك انقطاع التيار يعوقه وسلم امره الى الله وقضى تلك الليلة في منزل الرجل
سأله احمد هل تسكن وحدك في هذا البيت الواسع؟
رد المضيف: نعم إني وحيد باستثناء خادم للقيام على شئون هذا البيت
وقال لأحمد: ما لذي اتى بك الى هذه البلدة في ليلة عاصفه؟
رد احمد: لقد عشت في هذا البلد زمناً طويلاً ولي فيها أقارب وقد جئت لاصفي بعض الحسابات عن ثروة خلفها لي عمي المتوفي والذي يسكن هذه القرية وقد أوصى لثروته لشخص اخر ليس من العائلة مستغلاً غيابنا عنه
فقال المضيف: لقد سمعت ان الوارث ليس شرعياً ولا ينتمي بقرابة للمتوفي فكيف يرث هذه الثروة الطائلة ويحرم الوارث الشرعي وان هناك شخصاً هو الوارث الحقيقي
فقال احمد: انا ذلك الشخص ابن اخ المتوفي وأحق بالوراثة من غيري وقد كنت خارج البلاد حين وفاة عمي
فقال المضيف: ان الناس عندما عرفوا انه حرمك من كل شيء وترك ثروته كلها لذلك الرجل استهجنوا عمله غير الشرعي
فأجابه احمد : نعم كل ما قلته صحيح اذ كنت بالخارج وقد عرفت ذلك وعجبت لهذا الاجراء الجنوني من عمي في حين اني كنت اتعلم بالخارج وقد ذهلت لا لان عمي حرمني بل لأنه فقد ثقته بي أواخر أيامه وسمعت روايات من الأقارب وتلقيت رسائل بخصوص هذا الوارث المزيف وكيف استطاع السيطرة على عمي في أيامه الأخيرة بسبب المرض وكبر السن وقد الصق بي كل العيوب وادعى اني غير رشيد وان قصدي السفر الى الخارج للعب واللهو مادامت النقود متوفرة عندي وترسل الي شهرياً وكان يقدم لعمي تقارير زاعما فيها عدم صلاحي واني غير موفق في دراستي واني لم اهتم بعمي في مرضه الأخير وانا لا اعلم شيئاً عن ذلك وصدق عمي المسكين كل ما جاء به ذلك النصاب الذي اقنعه بحرماني من الميراث وكتبه باسم ذلك المحتال الكبير انها جريمة واحتيال بدون شك
فقال المضيف: هل تريد إعادة جميع املاكك وهل تتحمل الأعباء الناتجة عن ذلك
فأجابه احمد: انا قادر على حمل كل الأعباء مهما تكن النتيجة لان هذا ارث عائلتي ولن اتنازل عنه مهما يكن من امر وقد حان الوقت لمقابلة الوارث المزيف
فقال المضيف: لست أدرى يا احمد كيف قضت المقادير ان يحصل العطل بسيارتك بالقرب من بيتي دون غيره من بيوت هذه القرية ..... تنهد مكملاً انه قبل ثلاثة شهور تقريباً اشتريت جميع أملاك عمك من الوارث المزيف بمبلغ جسيم وانت الان تريد استرداد جميع ما يعود لك شرعاً واني انا الخاسر في هذه الصفقة لقد اختفى الوارث بعد بيع كل الأملاك وقد شوهد في الخارج أي انه قد هرب عندما تسلم المبلغ فوراً ولم أكن اعلم شيئاً عن حقيقة الوارث
ونظر اليه احمد مندهشاً فتابع الرجل كلامه قائلاً انا الجاني البريء في هذه القضية
فقال احمد: اذاً انت المالك لما يخصني من الميراث
فقال الرجل: ان العمارات والبيوت التي اشتريتها بها شبح هو انت وقد طارد هذا الشبح جميع السكان وكلهم لا حديث لهم الا عن حسن اخلاق احمد وها انت تقف امامي وجهاً لوجه
فقال احمد: هل يذكرني العاملون والسكان بهذا الشكل
قال المضيف: نعم فقد حدثني البواب العجوز عنك كثيراً
فقال احمد: هل هو موجود الان بالعمارات انه رجل طيب ومخلص لعائلتنا منذ زمن بعيد واني سعيد لأنه ليس من ضمن الذين استغنت عنهم الإدارة الجديدة وهل إدارة العمارات والبيوت متقنه فقد كنت ان الذي أقوم بالأعمال الإدارية بالمكتب
وهكذا قضى الاثنان ساعات الليل يتحدثان عن العقارات والتركة حتى أدركهما التعب فغفيا ولم يحسا الا والصبح قد طلع عليهما وفي هذه اللحظة دخل الخادم بطعام الإفطار
في تلك الاثناء رن جرس الباب ففتح الخادم وإذا بالبواب العجوز
فسأله مستخدمه لعل الامطار لم تحدث عندك ضرر
فقال العجوز: لقد حاولت الاتصال بك في اللية الماضية فلم اوفق فعرفت ان اسلاك الهاتف قد حصل بها عطب نتيجة عواصف البارحه ولهذا جئت لأخبرك ان المياه تسربت الى العمارات والبيوت في الداخل وقد سهرنا ليلتنا وعملنا ما يجب عمله ولم يحصل هناك ضرر كبير وبينما العجوز يتحدث واذا بأحمد يدخل حجرة الجلوس فهب العجوز واقفاً وقال بفرح شديد السيد احمد متى قدمت من الخارج وصافحه بحراره
فقال احمد: ما زلت كما اعهدك لم تتغير واستغرب العجوز وجود احمد هنا فقص عليه ما حدث له في اللية الماضية
فقال الرجل العجوز بعد ان خرج احمد ليرتدي ملابسه مخاطباً سيده: لنفرض ان احمد رفع قضية لإلغاء وصية عمه بواسطة المحكمة الشرعية فماذا يكون موقفك ؟ لاريب انه يعود اليه العقار كله استمع الى نصيحتي واتفقا على حل يرضى به كلاكما
ودخل احمد الغرفة وسمع الجملة الأخيرة فراح يضحك وقال للعجوز : حقاً انك رجل طيب
فأجاب العجوز: بل ابحث عن مصلحتكما المشتركة ووجه كلامه لمستخدمه قائلاً : ان اسم احمد ثروة هائلة لأعمالك التجارية فالناس جميعا من موظفين ومستأجرين متأكدون ان احمد خسر ميراثه عن طريق مؤامرة وانه سوف يسترجع املاكه بالحق وسيساندونه لاسترجاعها مهما يكلف الامر فاذا عرفوا ان املاكه قد عادت اليه بدون منازعات ومحاكم رجع المستأجرون القدامى اضف الى ذلك براعته الشخصية في الإدارة وهذا غير متوفر لديك ولا في الموظفين الذين اتيت بهم مما سبب نقصاً في الاعمال عموما وفي المستأجرين
فقال المالك: ماذا تقصد ؟
فأجابه الرجل العجوز : ان غرضي هو ان يتم الوفاق بينكما وان تصطلحا بدون محاكمه قد لا تعود على كلاكما بالنفع
فقال المالك وهو يكاد ينفجر غيظاً: هل تريد ان اتنازل عن الأملاك التي اشتريتها؟
فقال العجوز؟ لا ولكن اريد منك ان تتنازل عن نصف الأملاك لأحمد وتتعاونا على إدارة اعمالكما وتكونا مستفيدين بدل ان يخسر احدكما جميع ماله بطريق النزاع ........ مر صمت طويل بعد كلام العجوز
واخيراً استحسن الاثنين الفكرة وبعد مناقشات طويله تم الاتفاق بينهما وكتبا العقد الذي ينص على المناصفة وقد استقامت اعمالهما التجارية كما ينبغي ورضي اهل القرية بهذا العمل واعجبوا بالمشتري لموقفه النبيل واقبل العملاء اكثر من قبل وصارت تجارتهما واملاكهما مفضلة عند الجميع .
بقلم / خضر محمد العلي
١٩٦٦م