عندما توفيت والدتي كنت قد جاوزت سن الخامسة عشر وكنت أكبر اخوتي الستة
كان والدي موظفاً حكومياً لم يبخل علينا بشيء وقد وفر لنا المعيشة في مستوى طيب يليق به وبمركزه الحكومي وبعد مضي سنه من وفاة والدتي احيل والدي الى التقاعد لأنه قد جاوز السن القانوني في خدمة الدولة ومن المؤكد ان دخلنا قد نقص كثيراً من ذي قبل وصارت حياتنا فيها الضيق الشئ الكثير ولكن حنانه عوضنا عن التفكير في أمور العيش وقد حرص على تعليمنا جميعاً ولم يفكر في نفسه ولا في ما يحتاجه من الضروريات بالإضافة انه قد جاوز سن العمل ولا يستطيع بأي حال من الأحوال القيام بأي عمل مهما كان بسيطاً لذلك كرس جهوده للعناية بنا والقيام على جميع مطالبنا بم يتحصل عليه من الدخل البسيط الذي يأخذه من الحكومة باسم التقاعد
ولم يكن المبلغ يكفي نفقات معيشتنا فشعرنا بالحرمان والضيق وانتقلنا الى مسكن تظهر عليه معالم الفقر واخذنا نحس بالحاجة الى أشياء فقدناها وتعودنا عليها في السابق وعودنا نحن الصغار أنفسنا على الحرمان مم تشتهيه نفس الطفل لنوفر لنا القوت الضروري ولنتمكن من مواصلة دراستنا التي نعقد عليها الامل الكبير.
والحق ان نضال والدي وتحمله مشاق الأطفال ومداراتهم كان موضع اعجاب من جميع الأقارب بالرغم ان كل فرد منهم لم يفكر في ان يمد الينا يد المعونة وهم القادرون على ذلك
وقد كرست جهودي في المثابرة على الدروس وكنت دائماً الأول على الجميع واستطعت ان اجتاز مراحل التعليم قبل الأوان وفعلاً انهيت دراستي بكل نجاح
كنت أتمنى هذا اليوم لأرد لابي الجميل ولأتيح له ان يرتاح واحمل عنه عبء اخوتي الذين كانوا يواصلون التعليم ولكن القدر تدخل بصورة لم اكن اتوقعها والتحقت بعد تخرجي بوظيفه كان مرتبي منها يجعل جميع اخوتي في رفاهية وراحه تامه من حمل هموم معيشتنا ومطالبها اردت كذلك ان اوفر لوالدي كل الراحة واخبرته بان لي رغبه بالزواج من اجل ان تقوم زوجتي على خدمته وخدمه اخوتي والقيام على شئون المنزل فوافق والدي على الفكرة وفعلاً تزوجت وحضر جميع الزملاء والاقارب زواجنا وياليته لم يكن من زواج أصبحت في مأزق حرج لان زوجتي تطالبني بالسكن في منزل مستقل فصارحتها اول الامر ولكني رضخت لإرادتها لكثرة الحاحها ولم افكر في واجبي نحو ابي الذي ناضل من اجلي واخوتي وصممت اذاني عن صراخ صوت الضمير وقتلت عواطف البنوة ونسيت ابي ومعاناته واخوتي وحرمانهم وسكنت بعيداً عن الأسرة التي كانت تنتظر مني الحماية والرعاية .
وكنت اول الامر اتردد على والدي واخوتي وأقدم لهم العون المالي ولكن مرتبي وحاجتي الى الظهور بالمظهر اللائق لوظيفتي والى النهوض بأعباء منزلي الجديد كل ذلك اعجزني عن ان اواصل مساعدتي لابي بالقليل التافه الذي كنت أقدمه له والذي كان يرفضه في كثير من الحالات قائلاً لا داعي ان بيتك وعائلتك في حاجه اليه.
وبدأت اقلل من زياراتي لابي واخوتي وقل سؤالي عنهم ايضاً وبدا الفرق شاسعاً بيني وبين ابي انا أعيش في مستوى لابأس به وابي واخوتي يعيشون على الكفاف وكنت أخاف من ان يزورني احد من اخوتي فيرى الناس ما هم فيه من فاقه وماهم هم عليه من فقر ومذله فكنت لا ابدي حماس لاستقبالهم ولا حرارة في الترحيب بهم وكففت يدي عن ان اقدم لاحد منهم أي معونه مهما كانت تافهة حتى لا اشجع احداً على زيارتي ومضت الشهور وقلبي يزداد تحجراً وجحوداً حتى لم اعد افكر في ان لي والداً يشقى واخوتاً يتعذبون بالحرمان وانا عكس ذلك الى ان جاء اليوم المشؤم
كنت مع زوجتي في منزلنا وكان الجو بارداً والوقت ليلاً ودق جرس الباب فقمت لأرى من الطارق في هذا الليل فتحت الباب فاذا به أكبر اخوتي وكانت في عينيه دموع متحجره يحسب الناظر اليها انها قطع من الزجاج
وقبل ان يتكلم عرفت من وجهه ما يريد ان يقول ولم اردت ان أتكلم سبقني الى الكلام قائلاً:
ان والدي يريد ان يراك قبل ان ....... وسكت
وارتديت ملابسي وهرولت الي البيت ولكني وصلت بعد فوات الأوان ... لقد ودع الحياة ولم اسمع في البيت صرخة واحده او صوت بكاء لقد تعلم اخوتي من قسوة الحياة كيف يواجهون المصائب وهم لازالوا صغاراً في السن
وكانت نظراتهم كلها موجه الي وكأنها أصابع تشير الى متهم مجرم وكأنهم يقولون لي انت الذي قتل والدنا وكنت تستطيع ان توفر له الراحة في اخريات أيامه ولكن كنت نذلاً حقيراً فلم تحفل بمتاعبه ولم ترحم شيخوخته وضعفه ولم تحاول ان تخفف عنه الأعباء التي حملها والجهاد الطويل من الامراض والاوجاع طوال حياته
ان اخوتي لم يقولون هذا في صراحة ولكن نظراتهم المتحجرة الجامدة القاسية كانت تقوله بأفصح تعبير.
وحاولت ان اخفف من جرمي فاقمت له مأتماً لم أبخل عليه بالإنفاق ولكني لم اتلقى منهم كلمة شكر واحدة ولم أحظى منهم بنظرة ود او امتنان وكنت حزيناً مثلهم ولكني كنت في نظرهم وفي نظر نفسي أحد عوامل التعجيل بهذه النكبة
وفي اليوم التالي ذهبت الى اخوتي لأسالهم عم هم في حاجه اليه ولكنهم قابلوني بنفس نظرات الاتهام والجحود وكنت على استعداد لأبذل لهم كل كسبي لاسترد حبهم وصفحهم ولكن يبدو ان الجرح الذي تركته في قلوبهم كان أعمق من ان يلتئم وانا الآن أحاول ان أقدم لهم كل ما أستطيع من عون لأمنحهم كل ما ينطوي عليه قلبي من حب وحنان ولكنهم لا يقابلون تقربي منهم الا بالبرود القاتل وعدم المبالاة وكأنهم ينفذون وصية مقدسة للعزيز الراحل.
ان قلبي يقطر دماً وعيناي يدميهما البكاء الصامت ويزيد من عذابي انني علمت ان اخر كلمات والدي عندما كان يحتضر هي ....... سامحه الله......... سامحه الله
لقد صفح عني وعن عقوقي ونذالتي وياليته لم يصفح اذ لوجدت مبرراً لم كان من قسوتي عليه وعلى اخوتي المساكين الذين عاشوا اخر حياتهم محرومين وسيظل احساسهم بالحرمان من الحنان والعطف الابوي الذي فقدوه بوفاة والدهم وكذلك سأظل انا اعاني وحدي من عذاب الضمير الذي لا يرحم والذي يؤرقني الليل كله وليتني استطيع الصراخ لأخفف عن نفسي ولكني اتعذب بصمت ومم يزيد من شقائي ان اخوتي لا يصدقون ان احساسي بالحرمان والعذاب اكثر منهم نتيجة العقوق نحو اقرب الناس لي وهو والدي الذي لم ينسى ان يطلب من الله السماح لي والمغفرة قبل وفاته .
بقلم / خضر محمد العلي
سنة / ١٩٥٥م