الثلاثاء، 10 يونيو 2025

الابن العاق


عندما توفيت والدتي كنت قد جاوزت سن الخامسة عشر وكنت أكبر اخوتي الستة 

كان والدي موظفاً حكومياً لم يبخل علينا بشيء وقد وفر لنا المعيشة في مستوى طيب يليق به وبمركزه الحكومي وبعد مضي سنه من وفاة والدتي احيل والدي الى التقاعد لأنه قد جاوز السن القانوني في خدمة الدولة ومن المؤكد ان دخلنا قد نقص كثيراً من ذي قبل وصارت حياتنا فيها الضيق الشئ الكثير ولكن حنانه عوضنا عن التفكير في أمور العيش وقد حرص على تعليمنا جميعاً ولم يفكر في نفسه ولا في ما يحتاجه من الضروريات بالإضافة انه قد جاوز سن العمل ولا يستطيع بأي حال من الأحوال القيام بأي عمل مهما كان بسيطاً لذلك كرس جهوده للعناية بنا والقيام على جميع مطالبنا بم يتحصل عليه من الدخل البسيط الذي يأخذه من الحكومة باسم التقاعد 

ولم يكن المبلغ يكفي نفقات معيشتنا فشعرنا بالحرمان والضيق وانتقلنا الى مسكن تظهر عليه معالم الفقر واخذنا نحس بالحاجة الى أشياء فقدناها وتعودنا عليها في السابق وعودنا نحن الصغار أنفسنا على الحرمان مم تشتهيه نفس الطفل لنوفر لنا القوت الضروري ولنتمكن من مواصلة دراستنا التي نعقد عليها الامل الكبير.

 والحق ان نضال والدي وتحمله مشاق الأطفال ومداراتهم كان موضع اعجاب من جميع الأقارب بالرغم ان كل فرد منهم لم يفكر في ان يمد الينا يد المعونة وهم القادرون على ذلك 

وقد كرست جهودي في المثابرة على الدروس وكنت دائماً الأول على الجميع واستطعت ان اجتاز مراحل التعليم قبل الأوان وفعلاً انهيت دراستي بكل نجاح 

كنت أتمنى هذا اليوم لأرد لابي الجميل ولأتيح له ان يرتاح واحمل عنه عبء اخوتي الذين كانوا يواصلون التعليم ولكن القدر تدخل بصورة لم اكن اتوقعها والتحقت بعد تخرجي بوظيفه كان مرتبي منها يجعل جميع اخوتي في رفاهية وراحه تامه من حمل هموم معيشتنا ومطالبها اردت كذلك ان اوفر لوالدي كل الراحة واخبرته بان لي رغبه بالزواج من اجل ان تقوم زوجتي على خدمته وخدمه اخوتي والقيام على شئون المنزل فوافق والدي على الفكرة وفعلاً تزوجت وحضر جميع الزملاء والاقارب زواجنا وياليته لم يكن من زواج أصبحت في مأزق حرج لان زوجتي تطالبني بالسكن في منزل مستقل فصارحتها اول الامر ولكني رضخت لإرادتها لكثرة الحاحها ولم افكر في واجبي نحو ابي الذي ناضل من اجلي واخوتي وصممت اذاني عن صراخ صوت الضمير وقتلت عواطف البنوة ونسيت ابي ومعاناته واخوتي وحرمانهم وسكنت بعيداً عن الأسرة التي كانت تنتظر مني الحماية والرعاية . 

وكنت اول الامر اتردد على والدي واخوتي وأقدم لهم العون المالي ولكن مرتبي وحاجتي الى الظهور بالمظهر اللائق لوظيفتي والى النهوض بأعباء منزلي الجديد كل ذلك اعجزني عن ان اواصل مساعدتي لابي بالقليل التافه الذي كنت أقدمه له والذي كان يرفضه في كثير من الحالات قائلاً لا داعي ان بيتك وعائلتك في حاجه اليه.

وبدأت اقلل من زياراتي لابي واخوتي وقل سؤالي عنهم ايضاً وبدا الفرق شاسعاً بيني وبين ابي انا أعيش في مستوى لابأس به وابي واخوتي يعيشون على الكفاف وكنت أخاف من ان يزورني احد من اخوتي فيرى الناس ما هم فيه من فاقه وماهم هم عليه من فقر ومذله فكنت لا ابدي حماس لاستقبالهم ولا حرارة في الترحيب بهم وكففت يدي عن ان اقدم لاحد منهم أي معونه مهما كانت تافهة حتى لا اشجع احداً على زيارتي ومضت الشهور وقلبي يزداد تحجراً وجحوداً حتى لم اعد افكر في ان لي والداً يشقى واخوتاً يتعذبون بالحرمان وانا عكس ذلك الى ان جاء اليوم المشؤم 

كنت مع زوجتي في منزلنا وكان الجو بارداً والوقت ليلاً ودق جرس الباب فقمت لأرى من الطارق في هذا الليل فتحت الباب فاذا به أكبر اخوتي وكانت في عينيه دموع متحجره يحسب الناظر اليها انها قطع من الزجاج 

 وقبل ان يتكلم عرفت من وجهه ما يريد ان يقول ولم اردت ان أتكلم سبقني الى الكلام قائلاً: 

ان والدي يريد ان يراك قبل ان ....... وسكت 

وارتديت ملابسي وهرولت الي البيت ولكني وصلت بعد فوات الأوان ... لقد ودع الحياة ولم اسمع في البيت صرخة واحده او صوت بكاء لقد تعلم اخوتي من قسوة الحياة كيف يواجهون المصائب وهم لازالوا صغاراً في السن 

وكانت نظراتهم كلها موجه الي وكأنها أصابع تشير الى متهم مجرم وكأنهم يقولون لي انت الذي قتل والدنا وكنت تستطيع ان توفر له الراحة في اخريات أيامه ولكن كنت نذلاً حقيراً فلم تحفل بمتاعبه ولم ترحم شيخوخته وضعفه ولم تحاول ان تخفف عنه الأعباء التي حملها والجهاد الطويل من الامراض والاوجاع طوال حياته 

ان اخوتي لم يقولون هذا في صراحة ولكن نظراتهم المتحجرة الجامدة القاسية كانت تقوله بأفصح تعبير.

وحاولت ان اخفف من جرمي فاقمت له مأتماً لم أبخل عليه بالإنفاق ولكني لم اتلقى منهم كلمة شكر واحدة ولم أحظى منهم بنظرة ود او امتنان وكنت حزيناً مثلهم ولكني كنت في نظرهم وفي نظر نفسي أحد عوامل التعجيل بهذه النكبة 

وفي اليوم التالي ذهبت الى اخوتي لأسالهم عم هم في حاجه اليه ولكنهم قابلوني بنفس نظرات الاتهام والجحود وكنت على استعداد لأبذل لهم كل كسبي لاسترد حبهم وصفحهم ولكن يبدو ان الجرح الذي تركته في قلوبهم كان أعمق من ان يلتئم وانا الآن أحاول ان أقدم لهم كل ما أستطيع من عون لأمنحهم كل ما ينطوي عليه قلبي من حب وحنان ولكنهم لا يقابلون تقربي منهم الا بالبرود القاتل وعدم المبالاة وكأنهم ينفذون وصية مقدسة للعزيز الراحل.

ان قلبي يقطر دماً وعيناي يدميهما البكاء الصامت ويزيد من عذابي انني علمت ان اخر كلمات والدي عندما كان يحتضر هي ....... سامحه الله......... سامحه الله 

لقد صفح عني وعن عقوقي ونذالتي وياليته لم يصفح اذ لوجدت مبرراً لم كان من قسوتي عليه وعلى اخوتي المساكين الذين عاشوا اخر حياتهم محرومين وسيظل احساسهم بالحرمان من الحنان والعطف الابوي الذي فقدوه بوفاة والدهم وكذلك سأظل انا اعاني وحدي من عذاب الضمير الذي لا يرحم والذي يؤرقني الليل كله وليتني استطيع الصراخ لأخفف عن نفسي ولكني اتعذب بصمت ومم يزيد من شقائي ان اخوتي لا يصدقون ان احساسي بالحرمان والعذاب اكثر منهم نتيجة العقوق نحو اقرب الناس لي وهو والدي الذي لم ينسى ان يطلب من الله السماح لي والمغفرة قبل وفاته .



بقلم / خضر محمد العلي

سنة / ١٩٥٥م


الخميس، 18 يوليو 2024

الوارث الشرعي


بعد عصر يوم دافئ من أيام فصل الشتاء احمد يقود سيارته وما ان اخذ الظلام يخيم حتى اخذت الامطار تنهمر بغزارة يتخللها الرعد والبرق مع برد شديد ولم يهتم احمد لهذا لأنه متأكد من ان سيارته ستوصله بسلامه الى الفندق الذي كان يقصده ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن قبل ان يصل الفندق وقعت السيارة في حفرة وغمرتها المياه قرب القرية التي يقصدها.

 فكر احمد هل يقضي هذه الليلة داخل السيارة ؟

نزل من السيارة في محاوله لإخراجها من الحفرة وفي دقائق بلله المطر وقد اشتد هزيم الرعد والبرق وهطل المطر بغزارة وبينما هو يفكر ماذا يعمل واذا برجل واقف في نافذة البيت القريب منه في هذه المنطقة فرأى ما حصل لأحمد فاسرع دون تردد لتقديم المعونة اليه داعياً احمد الى منزله وهكذا وجد نفسه في حجرة دافئة جالساً على مقعد مريح وهو يشرب فنجاناً من الشاي الساخن فشكر احمد صاحب المنزل على نجدته له 

فقال لا داعي للشكر ستجف ثيابك وسيارتك وستصل الى حيث تقصد بعد قليل وسأوصلك بنفسي والان اشرب كاساً اخر من الشاي فنظر اليه احمد بتمعن ووجد صاحب المنزل في منتصف العقد الرابع من عمره ولكنه يبدو كشاب لا تتجاوز سنه الثلاثين بحال من الأحوال 

واحمد شاب في العقد الثاني من عمره اسمر اللون معتدل القوام وقد تبادل الاثنان الحديث الذي بدأه بحالة الطقس وبينما هما في الحديث وإذا بعاصفة هوجاء ارتجت لها ارجاء البيت وعلى أثرها انطفأت الانوار وبعد دقائق قضياها في التفكير غادر الضيف البيت ليستطلع أثر الامطار وانقطع تيار الكهرباء وعندما رجع أخبره انه لا سبيل للذهاب الى الفندق لان الامطار تنهمر بغزارة وكذلك انقطاع التيار يعوقه وسلم امره الى الله وقضى تلك الليلة في منزل الرجل 

سأله احمد هل تسكن وحدك في هذا البيت الواسع؟ 

رد المضيف: نعم إني وحيد باستثناء خادم للقيام على شئون هذا البيت 

وقال لأحمد: ما لذي اتى بك الى هذه البلدة في ليلة عاصفه؟ 

رد احمد: لقد عشت في هذا البلد زمناً طويلاً ولي فيها أقارب وقد جئت لاصفي بعض الحسابات عن ثروة خلفها لي عمي المتوفي والذي يسكن هذه القرية وقد أوصى لثروته لشخص اخر ليس من العائلة مستغلاً غيابنا عنه 

فقال المضيف: لقد سمعت ان الوارث ليس شرعياً ولا ينتمي بقرابة للمتوفي فكيف يرث هذه الثروة الطائلة ويحرم الوارث الشرعي وان هناك شخصاً هو الوارث الحقيقي 

فقال احمد: انا ذلك الشخص ابن اخ المتوفي وأحق بالوراثة من غيري وقد كنت خارج البلاد حين وفاة عمي 

فقال المضيف: ان الناس عندما عرفوا انه حرمك من كل شيء وترك ثروته كلها لذلك الرجل استهجنوا عمله غير الشرعي 

فأجابه احمد : نعم كل ما قلته صحيح اذ كنت بالخارج وقد عرفت ذلك وعجبت لهذا الاجراء الجنوني من عمي في حين اني كنت اتعلم بالخارج وقد ذهلت لا لان عمي حرمني بل لأنه فقد ثقته بي أواخر أيامه وسمعت روايات من الأقارب وتلقيت رسائل بخصوص هذا الوارث المزيف وكيف استطاع السيطرة على عمي في أيامه الأخيرة بسبب المرض وكبر السن وقد الصق بي كل العيوب وادعى اني غير رشيد وان قصدي السفر الى الخارج للعب واللهو مادامت النقود متوفرة عندي وترسل الي شهرياً وكان يقدم لعمي تقارير زاعما فيها عدم صلاحي واني غير موفق في دراستي واني لم اهتم بعمي في مرضه الأخير وانا لا اعلم شيئاً عن ذلك وصدق عمي المسكين كل ما جاء به ذلك النصاب الذي اقنعه بحرماني من الميراث وكتبه باسم ذلك المحتال الكبير انها جريمة واحتيال بدون شك 

فقال المضيف: هل تريد إعادة جميع املاكك وهل تتحمل الأعباء الناتجة عن ذلك 

فأجابه احمد: انا قادر على حمل كل الأعباء مهما تكن النتيجة لان هذا ارث عائلتي ولن اتنازل عنه مهما يكن من امر وقد حان الوقت لمقابلة الوارث المزيف 

فقال المضيف: لست أدرى يا احمد كيف قضت المقادير ان يحصل العطل بسيارتك بالقرب من بيتي دون غيره من بيوت هذه القرية ..... تنهد مكملاً انه قبل ثلاثة شهور تقريباً اشتريت جميع أملاك عمك من الوارث المزيف بمبلغ جسيم وانت الان تريد استرداد جميع ما يعود لك شرعاً واني انا الخاسر في هذه الصفقة لقد اختفى الوارث بعد بيع كل الأملاك وقد شوهد في الخارج أي انه قد هرب عندما تسلم المبلغ فوراً ولم أكن اعلم شيئاً عن حقيقة الوارث 

ونظر اليه احمد مندهشاً فتابع الرجل كلامه قائلاً انا الجاني البريء في هذه القضية 

فقال احمد: اذاً انت المالك لما يخصني من الميراث 

فقال الرجل: ان العمارات والبيوت التي اشتريتها بها شبح هو انت وقد طارد هذا الشبح جميع السكان وكلهم لا حديث لهم الا عن حسن اخلاق احمد وها انت تقف امامي وجهاً لوجه 

فقال احمد: هل يذكرني العاملون والسكان بهذا الشكل 

قال المضيف: نعم فقد حدثني البواب العجوز عنك كثيراً 

فقال احمد: هل هو موجود الان بالعمارات انه رجل طيب ومخلص لعائلتنا منذ زمن بعيد واني سعيد لأنه ليس من ضمن الذين استغنت عنهم الإدارة الجديدة وهل إدارة العمارات والبيوت متقنه فقد كنت ان الذي أقوم بالأعمال الإدارية بالمكتب 

وهكذا قضى الاثنان ساعات الليل يتحدثان عن العقارات والتركة حتى أدركهما التعب فغفيا ولم يحسا الا والصبح قد طلع عليهما وفي هذه اللحظة دخل الخادم بطعام الإفطار 

في تلك الاثناء رن جرس الباب ففتح الخادم وإذا بالبواب العجوز

 فسأله مستخدمه لعل الامطار لم تحدث عندك ضرر 

فقال العجوز: لقد حاولت الاتصال بك في اللية الماضية فلم اوفق فعرفت ان اسلاك الهاتف قد حصل بها عطب نتيجة عواصف البارحه ولهذا جئت لأخبرك ان المياه تسربت الى العمارات والبيوت في الداخل وقد سهرنا ليلتنا وعملنا ما يجب عمله ولم يحصل هناك ضرر كبير وبينما العجوز يتحدث واذا بأحمد يدخل حجرة الجلوس فهب العجوز واقفاً وقال بفرح شديد السيد احمد متى قدمت من الخارج وصافحه بحراره 

فقال احمد: ما زلت كما اعهدك لم تتغير واستغرب العجوز وجود احمد هنا فقص عليه ما حدث له في اللية الماضية 

فقال الرجل العجوز بعد ان خرج احمد ليرتدي ملابسه مخاطباً سيده: لنفرض ان احمد رفع قضية لإلغاء وصية عمه بواسطة المحكمة الشرعية فماذا يكون موقفك ؟ لاريب انه يعود اليه العقار كله استمع الى نصيحتي واتفقا على حل يرضى به كلاكما 

ودخل احمد الغرفة وسمع الجملة الأخيرة فراح يضحك وقال للعجوز : حقاً انك رجل طيب 

فأجاب العجوز: بل ابحث عن مصلحتكما المشتركة ووجه كلامه لمستخدمه قائلاً : ان اسم احمد ثروة هائلة لأعمالك التجارية فالناس جميعا من موظفين ومستأجرين متأكدون ان احمد خسر ميراثه عن طريق مؤامرة وانه سوف يسترجع املاكه بالحق وسيساندونه لاسترجاعها مهما يكلف الامر فاذا عرفوا ان املاكه قد عادت اليه بدون منازعات ومحاكم رجع المستأجرون القدامى اضف الى ذلك براعته الشخصية في الإدارة وهذا غير متوفر لديك ولا في الموظفين الذين اتيت بهم مما سبب نقصاً في الاعمال عموما وفي المستأجرين 

فقال المالك: ماذا تقصد ؟ 

فأجابه الرجل العجوز : ان غرضي هو ان يتم الوفاق بينكما وان تصطلحا بدون محاكمه قد لا تعود على كلاكما بالنفع 

فقال المالك وهو يكاد ينفجر غيظاً: هل تريد ان اتنازل عن الأملاك التي اشتريتها؟

فقال العجوز؟ لا ولكن اريد منك ان تتنازل عن نصف الأملاك لأحمد وتتعاونا على إدارة اعمالكما وتكونا مستفيدين بدل ان يخسر احدكما جميع ماله بطريق النزاع ........ مر صمت طويل بعد كلام العجوز 

واخيراً استحسن الاثنين الفكرة وبعد مناقشات طويله تم الاتفاق بينهما وكتبا العقد الذي ينص على المناصفة وقد استقامت اعمالهما التجارية كما ينبغي ورضي اهل القرية بهذا العمل واعجبوا بالمشتري لموقفه النبيل واقبل العملاء اكثر من قبل وصارت تجارتهما واملاكهما مفضلة عند الجميع .



بقلم / خضر محمد العلي 

 ١٩٦٦م



الجمعة، 21 يونيو 2024

الغبي والصفقة المزيفة

كانت الطائرة تسبح في الفضاء متوجهة الى بلد عربي وكان احمد جالساً بالدرجة الأولى ينظر في الصحف دون أي مجهود في تتبع ما فيها من اخبار فهو لسوء الحظ لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولكنه يقلب الصحيفة لأنه من ركاب الدرجة الأولى وعندما وجد المقصورة خاليه لا يوجد بها احد وضع الصحيفة بجانبه واخذ يتململ ويلعن تلك المظاهر التي اجبرته على ركوب الدرجة الأولى التي لسوء الحظ لا يوجد بها احد سواه وخصوصاً انه لا يحب الانفراد في السفر وعليه ان يتبادل الحديث مع غيره من الركاب وحديثه دائماً عن موضوع واحد لا يتغير وهو مركزه الاجتماعي ثم ثروته التي تبلغ ملايين الريالات استلقى احمد براسه الى الوراء وترك لبطنه المتكورة حرية البروز في فراغ المقصورة وراح في سبات عميق يصاحبه صوت شخيره الذي بدا يعلو شيئاً فشيئاً 

منذ زمن غير بعيد لم يكن احمد يحلم انه سيكون من ضمن ركاب الدرجة الأولى ولو قرأ له قارئ كف هذا الحلم لضحك على القارئ ونفسه 

عندما قامت الحرب العالمية الأخيرة أصبحت بلد احمد احد المراكز لجيوش المحاربين ثم خطرت لبائع الخضار المتجول فكرة لماذا لا يمون هذه الجيوش بسلعته انهم بحاجة اليها بدون شك 

وفعلاً نفذ الفكرة وأصبح احمد محتكراً توريد الخضار لهذه الجيوش ثم متعهد توريد لجميع لوازمهم من المواد الغذائية ومن هذا الطريق أصبح احمد من أصحاب الملايين فخلع الثوب الرث ولبس اللباس النظيف وزين أصابع يديه بالخواتم الثمينة مبالغة في اظهار الغنى واصبح بهذا المظهر الجديد من الذين يستحقون الاحترام في نظره على الأقل واصبح يقول لكل من يصادفه ان ابي وجدي من اغنى الأغنياء 

ولنعد الى احمد بالطائرة، بدأ يحرك رأسه ويتثاءب استعداداً للقيام من النوم لقد فتح احدى عينيه أولا ثم فتح العين الأخرى 

نزلت الطائرة في احدى المطارات العربية ونزل ركابها وبدأت تغص بركاب اخرين ولكن مقصورة احمد التي هي درجة أولى ظلت خاليه الا منه ها هو يسمع وقع اقدام مقبله فيشرئب بعنقه ليرى من القادم انه يتمنى ان يبعث الله له براكب من ركاب الدرجة الأولى ليتبادل معه الحديث دخل المقصورة أحد المسافرين يحمل معه حقيبة يد صغيرة وجلس بجوار احمد واقلعت الطائرة وسادت فترة سكوت لم يترك احمد لها فرصة فقد بدأ الحديث بقوله السيد مسافر الى ............

 فرد عليه المسافر الاخر لا ولكني مسافر الى بلد اخر أقرب واخذ احمد يفكر في كلمة أخرى يقولها فلم يجد سوى هذه الجملة: يظهر ان السيد من رجال الاعمال مثلي 

فابتسم الراكب وأجاب: نعم لكن الاعمال صنوف مختلفة متعددة 

فقال احمد: نحن رجال الاعمال لا نقر في مكان دائماً مسافرين واني في طريقي من اجل صفقة تجارية كبيرة وسوف اعود غداً لأني أشرف على اعمالي بنفسي ولا اعتمد على غيري ولدي عمارة ابنيها كلفتني الملايين 

فقال الراكب: هذا مبلغ كبير 

فقال احمد : هل تعتقد ذلك ان هذا مبلغ بسيط جدا بالنسبة لي وضحك وتعمد ان يفتح فمه اكثر من اللازم حتى يرى المسافر اضراسه الذهبية ولْمَ اطمأن من ذلك اطبق فمه واستأنف الحديث قائلاً كان يخيل لي ان مبلغ ثمانية ملايين كبير لكني الآن استطيع احضار اكثر من هذا المقدار في خلال أيام معدودة وهنا انفتح باب المقصورة وأطل منه المضيف وكان يحمل المرطبات فأخذ احمد وكذلك المسافر وفي لمح البصر كان احمد قد افرغ ما في الزجاجة ثم أعطاها للمضيف واعطاه نقوداً مبالغة في الكرم فانصرف المضيف شاكراً فقال احمد : ان المضيفين مساكين لا يستقرون في الأرض ولا في السماء فضحك المسافر على هذا التعليق وسادت فترة من الصمت لم يفتح الله فيها على احمد بكلمة واحده وفجأة التفت المسافر اليه وقال : لو يسمح السيد بان اساله سؤال فاعتدل احمد في جلسته وقال مستعداً لتلقي السؤال 

فقال المسافر: هل تعتقد ان رجل الاعمال يجب ان يكون شريفاً دائماً ونزيهاً في معاملته 

فضحك احمد ثم قال: هذا السؤال غريب لكن الصراحة حلوه انا لو تمسكت دائماً بالشرف لم كنت احلم بان اصل الى هذا المركز الذي انا فيه الان ولا تصل ثروتي الى ملايين الريالات باي حال من الأحوال 

فتفرس فيه المسافر وقال: افهم أنك قد جمعت هذه الثروة عن طريق غير مستقيم 

فقال احمد: الامر لا يخلو في بعض الأحيان انا رجل صريح وانطلق يضحك بصوت عال وقال للمسافر: انت ايضاً جمعت ثروة كبيرة بهذه الطريقة فلم يرد عليه المسافر ولكنه جذب حقيبة يده وفتحها وإذا بأحمد يفتح فمه دهشه مم رأى في الحقيبة لقد كانت ممتلئة بالذهب الأحمر 

وقال صاحب الحقيبة: هل تشتري؟

فلم يفهم احمد ما كان يعنيه المسافر فرد ماذا اشتري؟

فقال المسافر: ما في هذه الحقيبة من ذهب سوف ابيعك هذه الكمية بمبلغ مائة الف ريال في حين ان قيمتها اضعاف ذلك فدهش احمد واستغرب 

فقال المسافر وقد لاحظ دهشته: إنها مزيفه 

فأجاب احمد وقد تملكه الفزع: تقصد ان كل ما في الحقيبة من ذهب مزيف 

فرد عليه المسافر: نعم انه مزيف ولكني أتحدى أكبر خبير ان يقول ان هذه الجنيهات الذهبية مزيفه 

فاخذ احمد احدى الجنيهات وصار ينظر اليها بإمعان وقال حقيقة انها مزيفه بمهارة فائقة انا لا أرى فيها اختلاف ولا أي فرق بينها وبين الجنيهات الحقيقية وقال مكرراً ما قاله المسافر تريد ان تبيع ما في الحقيبة بمبلغ مائة ألف ريال؟ 

فأجاب: نعم 

فقال احمد: اشتريت 

فقال المسافر: وانا بعت على شرط ان يكون المبلغ نقداً 

فتناول احمد حقيبة بجانبه وكانت تحوي نقوداً من فئة كبيرة وناول المسافر المبلغ المتفق عليه واخذ يفرك يديه وبان على وجهه السرور من هذه الصفقة التجارية غير المنتظرة ولا في الحلم وفي هذه اللحظة وصلت الطائرة الى أحد المطارات العربية حيث سينزل المسافر فنهض احمد مودعاً إياه بكل حفاوة وتقدير واقلعت الطائرة الى البلد التي يقصدها احمد 

ولكن اين ذهب ذلك المسافر الذي باع الحقيبة بما فيها من ذهب 

ذهب الى الضابط المناوب وأخبره متظاهراً بالخوف والفزع انه قد نسي حقيبته بالطائرة بما فيها من ذهب فنظر اليه الضابط مستغرباً 

وأردف يقول ان لي والداً شديد البخل والحرص ولا يثق بأحد وقد كلفني احمل له هذا الذهب 

فطمأنه الضابط بقوله انتظر حتى تصل الطائرة الى المطار الذي تقصده حيث اننا لا نستطيع ارجاعها وقد اتصل الضابط بالمطار وطلب من الضابط هناك ان يذهب الى الطائرة بالدرجة الأولى ويحضر حقيبة الذهب وحفظها لحين طلبها وما ان هبطت الطائرة بالمطار حتى صعد رجال الشرطة الى الطائرة التي بها احمد وما كاد يراهم حتى اصفر وجهه وأيقن انه وقع في فخ نصب له ووقف رجال الشرطة بالمقصورة التي بها احمد ونظر اليه الضابط متسائلاً هذه الشنطة لك؟ 

فقال احمد بعد ان استجمع قواه: لا اعرف عنها شيئاً لقد نسيها راكب كان هنا وقد نزل وظننت انه راجع ولا اعرف صاحبها 

فقال الضابط: انها الحقيبة التي نبحث عنها وفتحها ووجد الذهب كما كان واخذها وانصرف وعندما غادر رجال الشرطة الطائرة تنفس احمد الصعداء فهذه في اعتقاده نقود مزيفه وامتلاكها يقود الى السجن بدون قيد او شرط وبعد نحو ساعتين كانت الحقيبة في يد صاحبها شاكراً للشرطة كفاءتهم 

وتعجب من نفسه كيف خطرت له تلك الفكرة الشيطانية التي جعلته يعرض على هذا الغبي بيع نقود ذهبيه موهماً اياه انها مزيفه ثم قال لنفسه لابد ان مبلغ مائة ألف التي اخذتها من ذلك الرجل قد حصل عليها من طريق غير شريف 

اما احمد فقد حمد الله علي انه قد تخلص من مصيبه كاد يقع فيها مضحياً بالمبلغ الذي دفعه قيمة للذهب معتقداً ان ذلك الذهب مزيف ثم قال لنفسه مكرراً الدعاء احمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه.



بقلم / خضر محمد العلي 

سنة / ١٩٥٧


الجمعة، 24 مايو 2024

وهكذ ينتصر المظلوم


بعد ان تعرفت ساره على امينه فاقت من سباتها العميق الذي كانت تتصور انه سيدوم ويوفر لها الراحة في السنين الباقية من عمرها لا يعكر صفوه كائن من كان ولكن القدر أراد ان يخدم تلك الاسرة الفقيرة التي جنت عليها سارة دون مبرر سوى الغيرة 

فاقت ساره لتجد امينه غريمتها والتي ضنت انها ماتت من الجوع زوجة لابنها الذي ضحت من اجله العمر كله احتارت ساره ماذا تتصرف امام ابنها في تلك اللحظة خوفا من ان يلحظ ابنها انفعالاتها وفي ثوان تذكرت كيف انها طردت امينه وافراد اسرتها بدون رحمة رجعت الي سنين مضت عندما كانت مع المرحوم زوجها يقطنان نفس البيت الذي تعيش فيه الان وكانت عائلة امينه مكونه من اب وام وكان الجميع يسكنون في منزل متواضع قرب القصر الذي تقطن فيه ساره وكانت عائلة امينه تعمل لخدمة ساره وزوجها وابنها خالد وكل من يعرف اسرة ساره يعرف ان امينه ولدت في كنفها وتحت اشرافها ولم تكن ساره اما رؤوفة بها ولم تعاملها كطفله بل كخادمه صغيره تعمل بجانب ابويها مضت السنين واسرة امينه على ماهي عليه من الإخلاص والتفاني في خدمة الجميع ثم أراد القدر ان يلعب لعبته مع تلك الأسرة الفقيرة بشكل لم يكن احد يتوقعه حيث كبرت امينه وخرجت من طور الطفولة الى طور الشباب فإذا بها فجأة شابه تبلغ السادسة عشر من عمرها وقد وهبها الله جمالا يكاد يكون نادرا وملفتا لأنظار الجميع بما فيهم زوج ساره الذي هو بالنسبة لأمينه في مكانه جدها لفارق السن بينهما ظلت امينه في مخيلة الزوج لم تفارقه لحظه وكانه لم ينظر لفتاه بحياته من قبل واغتنم فرصة لقائه مع امينه بمفردها في احد الليالي وحاول التقرب منها فجزعت الطفلة امينه وحاولت ان تلطف الجو بينهما ففتحت معه حديثا ولكنه كان غير طبيعي دنا منها يريد ضمها بين ذراعيه قائلا لها انه يحبها من طفولتها وانه يتحين هذه الفرصة منذ زمن !!! كل هذا والمسكينة واقفه امامه ترتعش خوفا ولا تدري كيف تتصرف مع المراهق المتصابي فمد يده مره أخرى بقوله الي يا اغلى من عرفت وقرب منها وحاول تقبيلها ولم تستطع المسكينة عمل شيء سوى صرخة مزقت سكون القرية بكاملها فهبت زوجته ساره من مخدعها وهي تجري كالمجنونة الى مكان الصرخة فاذا بها تري زوجها وامينه بين ذراعيه تحاول الفكاك وعندما راتها امينه استنجدت بها للخلاص من ذلك الوحش الذي هاجمها 

فلم تتمالك ساره نفسها من ذلك المنظر الذي رات زوجها فيه فرفعت يدها ووجهت صفعه جامده على خده ومن شدة الضربة فتح الزوج عينه واذا به امام زوجته فطأطأ راسه واتجه بدون كلام الى الباب وخرج .... كانت زوجته تصرخ الى اين؟ ارجع فالوقت متأخر!! فلم يجاوبها وخرج الزوج وهو في حاله نفسيه لم يعهدها في حياته .......مشى وهو لا يدري اين تقوده رجلاه وكل ما حوله ساكن ماعدا صوت خطواته الرتيبة تشق صمت السكون المخيم على تلك القرية وظل يمشي وهو لا يدري الي اين وفجأة اذا بشيء يمر بجانبه او فوقه لا يدري وغاب عن الوعي ولم يعد يحس او يشعر بشيء سوى انه شعر بالارتياح من تلك الهواجس التي انتابته 

قلقت ساره على زوجها لأنه لم يعد فأرسلت من يبحث عنه دون جدوى وقد أرسلت ساره في طلب والد امينه ووالدتها في تلك الليلة نفسها واخبرتهما بما حصل وانها تشك في ان امينه اغوت زوجها فطلبت ساره من تلك الاسرة المنكوبة الرحيل فورا من القرية بكاملها وان لا يطلع ضوء النهار عليهم والا ستعاقبهم اشد العقاب فنفذت الأسرة المسكينة ما امرت به السيدة المطاعة ساره فرحلوا دون ان يعرفوا شيئا عن زوج ساره وماذا حصل له 

فاقت القرية في الصباح الباكر على اخبار زوج ساره وما حصل بينه وبين امينه فاستغرب الكل تصرفه مع طفله بمثابه ابنته ولو بالتربية وانشغلوا عليه أيضا حينما علموا انه خرج ولم ينم في منزله تلك الليلة فتفرق نفر للتفتيش عنه وبعد زمن ليس بطويل عاد جمع غفير من الناس يحملون جثة رجل وجدت على سكة القطار وكانت معالم الجثة ضائعة لدرجة انهم لم يتبينوا ولم يتعرفوا على شخصية الضحية وسلمت الجثة الى الشرطة وبعد التحري تبين انها جثة زوج ساره وقد تكهن اهل القرية بعضهم قال انه انتحر خجلا من عمله وبعضهم قال انه في حاله نفسيه لم يشعر الا والقطار يدهسه وانتهت حياته في لحظة شهوه عمياء اردته قتيلا وجلبت عليه العار .

نعود الى اسرة امينه رحلوا تلك الليلة وهم لا يعلمون الي اين يشدون الرحال فما كان منهم الا الذهاب الى محطة القطار وفعلا نفذوا الفكرة وركبوا القطار وعندما سألهم بائع التذاكر الى اين المسير احتاروا في الجواب لأنهم لا يعرفون الى اين هم ذاهبون وبعد برهة...... أجاب رب الاسرة سوف نذهب الى المدينة وها نحن يابني كما ترى لا نملك من الدنيا شيئا .... فرق قلب بائع التذاكر عليهم ثم اجابهم بانه يعفيهم من دفع اجرة القطار كذلك أرشدهم الى اقرب قرية من المدينة والتي يوجد بها مصانع كثيرة وانهم سيجدون عملا بسهوله في هذه القرية مضى القطار يشق ظلام الليل وكل ما فيه ساكن ماعدا عيون واذهان تلك الاسرة المنكوبة تفكر في تلك النازلة التي نزلت عليهم وهم عنها غافلون ..... اقبل الفجر يتهدى بضوئه ليزيح الستار المظلم عن الكره الأرضية وكانه يخاطب الظلام بقوله ارحل فان عهدك قد انتهى وعندما يرى الناظر انقشاع السواد تدريجيا يشعر بان الليل قد ذهب مطيعا لأوامر الفجر وعند طلوع الشمس ونشرها لأشعتها الذهبية صحى جميع من في القطار واخذ كل واحد منهم يلتفت حوله يتفقد نفسه وامتعته كما اخذ بعضهم ينظر الى خارج القطار من خلال النوافذ ليرى اين وصل وماهي المسافة التي قطعها طوال الليل كل الركاب على هذا الوضع ما عدى اسرة امينه المسكينة لم يغمض لهم جفن بسبب القلق النفسي الذي انتابهم من كثرة ما يفكرون في المستقبل الذي سيواجهونه لا سيما انهم اشرفوا على سن يجب ان يرتاحوا فيه ولكن الاقدار تخطط للإنسان الطريق الذي تختاره له والانسان مسير لا مخير في هذه الحياه 

بدأ القطار يهدي من سرعته كعادته عندما يريد الوقوف واذا ببائع التذاكر يقبل عليهم ويخبرهم بوصولهم الى القرية المطلوبة فتجهزت الأسرة للنزول ولم يكن معهم من العفش سوى ملابسهم التي يرتدونها اتقاء البرد وقبل النزول اعطاهم بائع التذاكر ورقه تحتوي على توصية ووعدهم بزيارة لهم عند اقرب فرصه مشى الاب المسكين يتعثر في خطاه وخلفه زوجته وابنته التي شعرت بالرغم من صغر سنها بانها سبب المصيبة التي حلت على والديها ولكن سكوت وصمت والديها عنها وعدم مفاتحتهم لها بخصوص ما حصل طمئنها كثيرا ثم ردت على افكارها وهواجسها بان والديها مقدرون لموقفها وان ليس لها يد فيم حصل مع زوج ساره وانها تعتبره بمثابه والدها لكبر سنه واحساسها بانها تربت في منزله مع اسرتها واقنعت نفسها بهذا الجواب وطردت تلك الهواجس التي انتابتها وعزمت ان تنسى الماضي وان تفكر في المستقبل وان تعوض والديها عن ما اصابهم وان من حقهم عليها ان تعمل وتوفر لهم الراحة الكاملة وخصوصا انهم اقبلوا على سن يجب ان يرتاحوا فيه 

مشى الجميع الى العنوان الذي بحوزتهم وإذا بهم امام محل تجاري لصاحب ذلك العنوان وتعرفوا عليه واخبروه بقصتهم وعندما سمع مضيفهم القصة تبسم وقال لهم الحمد لله انكم خرجتم من هناك برأس مرفوعة ووجه كلامه الى الاب قائلاً ........ ثق ان الطيب لا يأتي منه الا الطيب مثله وانا متفائل بك وكذلك في حاجه الى واحد يقوم مقامي هنا في حال غيابي وانشغالي وقد وجدتك فانت منحة من السماء بعثها الله لي اما بخصوص عائلتك فلا تحمل لهم هما فاني واجدا لك منزلاً في الحال هيا بنا لنفتش على منزل وظلت امينه ووالدتها في الانتظار وهم لا يصدقون ما حدث وبعد غياب لم يدم طويلاً عاد الرجلين وذهب الجميع قاصدين المنزل الجديد وفعلا استوطنت العائلة المنزل في تلك القرية والتي لا تبعد عن المدينة سوى بضعة اميال وطاب لهم العيش واستقر بهم المقام لاسيما ان والد امينه اخلص في عمله لذلك الرجل الطيب الذي اقام عثرته وازداد دخل الرجل في تجارته وبعد مرور سنين ليست كثيره قرر صاحب المحل ان يدخل هذا الرجل المبروك شريكا معه حيث لمس فيه الإخلاص والبركة معا ومنذ قدومه والمحل التجاري في ازدهار وفعلا نفذ الفكرة واخبر والد امينه بما عزم عليه وانه يجب ان يكون شريكا مقابل عمله وادارته للعمل فأجابه والد امينه : ارجو ان أكون عند حسن ظنك واني سوف اضاعف جهدي ليكون المحل التجاري مصدر رزق للطرفين بالحلال وتعاهدا الرجلان على الإخلاص والوفاء مدى الحياه 

اما بخصوص والدة امينه فإنها بقيت معززه مكرمة تخدم زوجها وابنتها وتقوم بخدمة المنزل وهي سيدة كل شيء بل سيدة نفسها وهذا اهم ما في الامر وبعد مرور وقت من استقرار العائلة في قريتهم ومنزلهم الجديد فكر الوالد والوالدة في مستقبل ابنتهما وتشاورا على ادخال امينه الى المدرسة لتتعلم وفعلا أدخلت امينه الى المدرسة وماهي الا فتره واذا هي من الأوائل على زميلاتها وخصوصا من الناحية الأخلاقية بالذات بالنسبة لما مر عليها في طفولتها من قساوة ومن حرمان فعملت على صيانه شخصيتها وسمعه والديها بجانب الرغبة في الدراسة الى اجل غير مسمى وكان طموحها ان تدخل الجامعة وفعلا سبقت زميلاتها الى الجامعة ..........

شاءت الاقدار ان تلعب دورا طيبا مع عائلة امينه بعد ذلك الاستقرار والهدوء كذلك لعبت الاقدار دورا سيئا مع عائلة ساره حيث ساءت احوالهم المعيشية وكانت ساره تعاني مع ابنها خالد من قلة الدخل وخصوصا انهم يعيشون على الثروة التي خلفها لهم زوجها ولم يكن هناك تنمية لهذه الثروة وصارت تقل شيئا فشيئا وابنها خالد كان صغيرا حين وفاة والده واهتمت به والدته والحقته بأحسن المدارس وعلمته حتى صار شابا مستقيما وعلى خلق رفيع ولكن المشكلة انه يظل عاجز عن الاستمرار في المحافظة على المستوى الذي كان والده يعيش فيه من هذا المنطلق فكر خالد في بيع جميع الأملاك التي لا فائدة منها وتتطلب مصاريف هم في غنى عنها بذلك اقنع والدته وفعلا اعلن في الصحف المحلية عن بيع الأرض الزراعية وبعض المباني والمنازل التي يجد انها لا تدر عليهم دخلا ومعظمها قديمة ومتهدمة حتى القصر الذي يعيشون فيه اعلن عن بيعه بعد ان اقنع والدته بذلك ......

قرأ والد امينه هذا الإعلان في الصحف المحلية مثل غيره من الناس وعرض الامر على شريكه واخبره برغبته في شراء هذه الأملاك وخصوصا انها في قريته وانه يرغب في العودة اليها اخر عمره مكرما معززا وان هذه فرصه لشراء هذه العقارات والمزارع وانه يعرفها معرفه جيده كما يعرف مدى خصوبة المزرعة وانتاجها اذا أعطيت العناية الكافية وقد وافق شريكه على كل ما يرغب في شرائه من هذه الأملاك المعروضة للبيع وفوضه بذلك ولكن المشكلة وضعه بالنسبة لهذه العائلة ولو انه قام بالاتصال بهم شخصيا لم يتم أي شيء له في هذه الصفقة لان هذه العائلة تظن بانه قاصد لشرائه العقارات شامتا فيهم وهو عكس هذ التصور بما يتمتع به من اخلاق ففكر في إيجاد وسيط بين الطرفين فلم يجد افضل من ابنته امينه لما تتمتع به من شخصيه وخلق وتقدير للآخرين وفعلا سافرت امينه الى قريتها الأصلية لمقابله ساره للمفاهمة بهذا الخصوص ولم تتعرف عليها ساره مطلقا بل ظنت انها من وسطها وكان اللقاء الأول بين امينه وخالد ومن المقابلة اعجب خالد بها جدا بشخصيتها وتصرفها وثقافتها بل اكثر من ذلك !!!! مال قلبه اليها وتعلق بها حتى انه اتم الصفقة معها بموافقه والدته دون ان يعرف شيئا عن امينه او هويتها وعند انتهاء جميع إجراءات البيع والشراء بين خالد وامينه من جهة ووالدته من جهة أخرى قررت امينه ان لا تخدعهم أكثر من ذلك واخبرت ساره عن نفسها وهويتها 

وما ان سمعت ساره ذلك الخبر حتى نزل عليها كالصاعقة ولم تصدق ما سمعت 

هذا وسبق ان تفاهم ابنها خالد معها على خطبه امينه وانه لا يستطيع العيش بدونها لاسيما ان امينه أيضا اعجبت بالخلق الذي يتمتع به خالد بالإضافة انها لا تنسى ذكرى طفولتهما معاً وقد عاشا كأخوين 

ولما علمت بالخبر وان امينه ابنة خادمهم المخلص والذي اتهم في شرف ابنته امينه والتي ستكون زوجه ابنها احتارت ماذا تفعل ....... وقررت أخيرا مفاتحه ابنها بالموضوع واخباره بكل شيء حتى يكون على بينه من امره وان يعرف تمام المعرفة من تكون زوجته وفي قرارة نفسها أي ساره ارادت بالفعل ان تكون امينه زوجه لابنها خالد أولا لتكفر عن ذنبها لأمينه المسكينة وثانيا لما رأته من خلق وتعليم وادب متوفرين في امينه وهكذا عرف خالد بالموضوع من والدته وامينه تسمع الحديث الذي يدور بين الطرفين مصغية دون أي تعليق خجلا من السيدة ساره على المدح والاطراء الذي قالته فيها وفي عائلتها وأنها قد ظلمتهم في السابق وانهم في منزلة أهلها واعز الناس اليها 

وهكذا أصبحت امينه زوجة لخالد الذي نشأ سيداً وهي خادمه في بيته منذ طفولتها ولكن لا فرق بين انسان واخر الا بالصلاح والتقوى وكلنا من آدم وآدم من تراب.



قصة واقعية 

بقلم / خضر محمد العلي 

١٩٦٩/٢/١ م  أمريكا (ولاية اريزونا)

الجمعة، 17 مايو 2024

الجريمة والمال



عادل شاب فقير ولكنه يطمع في الثراء السريع لكي يتزوج ممن يحب 

وقد فكر في مشروعاً تجارياً ليحقق له الثراء ولكنه في حاجه الى المال ودائماً ما يفكر في زوجة المستقبل وكيف يوفر لها المنزل الانيق الهادئ وبينما هو غارق في أفكاره هذه تدخل عليه منى زوجة المستقبل وتوجه اليه سؤالاً، هل دبرت نقوداً للمشروع كما قلت لي بالأمس؟ 

فيجيبها عادل: لا تزعجي نفسك بهذا الموضوع سوف احصل على المال الذي به نبني عش الزوجية الذي طالما حلمنا به 

منى: لا تهرب من سؤالي سيتوقف مشروعك اليس كذلك؟ 

تصمت منى ...... ثم تقول: وهل تظن ان سعادتنا تتوقف على المال اننا نستطيع ان نكون اغنياء بحبنا وسوف يزيد عندما ننجب ولداً او بنتاً انهم أكثر من كنوز الدنيا وهم زينتها 

عادل: حقاً ان الحب والعاطفة تحجب عنك الحقائق 

واثناء هذه المجادلة يدخل والد منى وهو رجل عجوز ينادي على ابنته ويطلب من عادل الخروج ليتحدث مع ابنته على انفراد 

 ويطلب منها ان لا تكثر من مقابلة عادل حتى لا تتعرض لألسنة الناس ويفهمها بكل صراحة انه لم يعد يوافق على تزويجها لعادل وانه يتمنى لها زوجاً يليق بها وانه يجب ان يكون هناك تكافئ بين الطرفين ولمح لها والدها انه سيحرمها من المال إذا فكرت في ذلك العاطل ويخرج من المكان غاضباً .....

يعود عادل مخاطباً منى 

هل تثقين في حبي لك؟ 

منى: نعم هذا لا شك فيه وماذا تعني؟

عادل: إذا مات والدك العجوز سوف تصبحين غنية 

تنفعل منى: لماذا تقول ذلك؟ يجب ان لا نتمنى له الموت

عادل: ولكن لن يتم لنا ما نتمناه ولن نكون سعداء الا إذا مات هذ العجوز 

منى بغضب شديد: يجب ان لا نتحدث في هذا الموضوع انه لأمر فضيع ان تتمنى لوالدي الموت وهو سبب وجودي ونعمتي 

عادل: إني سأقتل هذا العجوز الذي يقف في طريق سعادتنا 

منى في ذهول: لا......لا......لا تقل هذا الكلام لا تذكر القتل اعرف إنك تمزح 

العجوز ينادي على الخادم فيسرع اليه عادل ويستعطفه لكي يوافق على زواجه من ابنته كذلك يمنحه بعض المال كسلفة لكي يبدأ في مشروعه ليثبت له انه مناسب لابنته ولكن العجوز يسخر منه ويصرح له انه يفضل ان يرى ابنته جثة هامده على ان يزوجها لصعلوك مثله 

وعند ذلك يفقد عادل اعصابه لهذه الإهانة البالغة ويتناول آنية زهور ويهوي بها على رأس العجوز فيحطمها ويقع ميتاً وفي هذه اللحظة تدخل منى بعد فوات الأوان فتسقط على جثة والدها وهي تبكي صارخة لقد قتلته يا مجرم 

عادل جالساً بين ثلاث ضباط يحققون معه لقد صمد لهم وأجاب على اسالتهم بدون ارتباك فلم يجدوا سبيلاً الى ادانته او القبض عليه لأنه قد اتفق مع الخادم على ان يعترف بانه مرتكب الجريمة وذلك مقابل مبلغاً كبيراً من المال وفعلاً اعترف الخادم انه قتله بحجة ان سيده أنكر عليه مالاً كان الخادم وضعه كأمانه عنده فزاد الغموض لدى المحققين الذين انصرفوا من المنزل الى دائرة التحقيق 

وفي هذه الاثناء تدخل منى وهي تلبس الثياب السوداء وقد ظهر على وجهها الحزن الشديد

 وبعد حديث قصير يجلس عادل تحت قدميها ويقول لها هامساً : لقد انتهى كل شيء وستكونين لي وسنستمتع بالحياة لقد افسدت كل محاولاتهم للإيقاع بي لأنني احبك ولهذا كنت اقوى منهم لقد اعترف الخادم بالقتل وسوف نعوضه عن ذلك بمال كثير وسنضع له اشهر المحامين للدفاع عنه 

منى تخاطبه وهي في اشد الحزن علي ابيها والخوف على حبيبها 

فقالت له: اسمع لقد فكرت كثيراً ومن واجبي ان اصارحك على ما انتهيت اليه .... لقد تحطم كل شيء في نفسي منذ اللحظة التي حطمت فيها رأس والدي وقد عاهدت نفسي ان انفذ رغبة ابي المسكين بان لا كون زوجة لك ولا لغيرك طول عمري 

عادل: في دهشة ......... ماذا تقولين؟

منى: ان علاقتنا سوف تنتهي من اليوم ويجب ان ينتهي معها كل ما كان بيننا من حب 

عادل: هل جننتِ؟ انني خاطرت بنفسي لقتل ذلك العجوز البخيل الذي لم يعرف احداً عنه انه اعطي من ماله لفقير او لجمعية خيريه او غيرها منى أنتِ ابنته الوحيدة يبخل عليك بالنقود بل لم يلبي لك مطلباً فهل هذا يستحق الحياة انني عملت هذا من اجلك وها انتِ الوريثة الوحيدة له 

منى: حقاً إنك حطمت هذا الحب بارتكابك هذه الجريمة الشنعاء 

عادل: انا فعلت هذا من اجلك 

منى: بل من اجل الحصول على المال 

عادل: محال ان يكون هذا اعتقادي انني اردت ان أنقذ هذا الحب من متاعب الفقر لاسيما انه قد هدد أي والدك بحرمانك من الميراث إذا تم زواجنا....... ويستمر بينهما الجدال 

ولكنها تصارحه بانه لم يعد في قلبها حب له بعد اليوم 

عادل صارخاً: انا الذي وهبت لك المال بحماقتي هل تظنين انني ارتكبت هذه الجريمة لكي اساومك عليه يضحك عادل بصوت عالي وهو يقول

انا الذي قاومتهم وانتصرت عليهم في التحقيق لاعتقادي بانك تحبينني ما اشد غبائي إنك الان غنية وستجدين زوجاً من طبقتك 

وينفجر عادل باكياً فتدهش منى وتقترب منه ولكنه يصرخ في وجهها بانه لا يريد شفقتها

 ثم يدخل اثنان من رجال الشرطة 

ويقول أحدهما لصاحبه صحيح ان الخادم قد اعترف ولكن احداً لا يستطيع ان يزعزع عقيدتي بانه اخر من يقتل لاسيما انه قضى معظم حياته يخدم سيده ولكن هناك دوافع جعلته يعترف بالجريمة 

ويخرج أحد الضباط بينما يتخلف الضابط الذي كان يساوره الشك في ان القاتل هو عادل وليس الخادم ويحدق الضابط طويلاً في عادل وهو جالساً قرب منى والانهيار بادياً عليه بوضوح من المفاجأة التي لم يكن يتوقعها من حبيبته منى والتي اتفقت مع رجال التحقيق بالعمل على تسجيل اعترافه ثم يتقدم الضابط منه ويقبض على ذراعه ويهزه بعنف قائلاً له بأي شيء قتلته يا مجرم 

فيرد عادل بهدوء: بآنية الزهور الكبيرة التي كانت هناك 

وينادي الضابط زميله ويقول له: لقد كنت اعلم ان عادل هو القاتل 

ويدخل بقية رجال الشرطة ويحيطون بعادل للقبض عليه بينما هو ينظر الى منى نظرة عتاب وندم ومنى تبكي وهي تقول لعادل 

إني احبك لا شك في ذلك ولكني أحب والدي أكثر منك.


بقلم / خضر محمد العلي 

سنة / ١٩٥٤ م 


الخميس، 28 يناير 2021

انانية امرأه

 

مضت حقبه من الزمن وهو قابع وراء مكتبه بدائرة حماية الحدود ولم يكن خالد طموحاً في حياته وكان يبدو عليه الكسل والقناعة في كل شيء في مظهره وفي طريقه كلامه ولا يتحدث كثيراً بل لم يدخل في مناقشة او جدال مع الاخرين وكان يبدوا مسالماً في كل تصرفاته بل انه لم يفكر يوماً ان يغير وضعه الي ان أراد الله له ذلك في احد الجزر النائية حيث اعلن عن وظيفة حارس حدود في أعماق البحر وفكر في الموضوع ملياً وخصوصاً انه سوف يكون بإمكانه النزول الى البلد كل عشرة أيام تقريبا لقضاء لوازمه الخاصة ومراجعة دائرته لتلقي التعليمات لاسيما انه يوجد تحت تصرفه زورق صغير يتجول فيه بحكم عمله في حراسة الحدود الساحلية كذلك باستطاعته زيارة البلد حينما يشاء كل هذه التخيلات دارت امام عينيه وكأنه ينظر الى شريط سينمائي وهو قابع وراء مكتبه في وظيفته الإدارية الروتينية والتي اورثته الكسل والخمول وفكر ملياً في الموضوع ونفذ الفكرة بأن تناول ورقه وقلماً وكتب معروضاً طالباً فيه تعيينه على هذه الوظيفة وبم ان دائرته بحاجه الى شخص ليملئ هذا الفراغ فانهم وافقوا فوراً على طلب خالد وتم التعيين على الوظيفة الجديدة وطلب من خالد ان يكون علي رأس عمله بعد أسبوع هذا وقد تمت الإجراءات لمثل هذه الحالات وما على خالد الا ان يذهب لمقر عمله الجديد وهو الجزيرة كما اسلفنا ليشرف على تنظيم المسكن الجديد والذي هو على حساب الدولة وهذا من العوامل التي شجعته على طلب هذه الوظيفة وفي زعمه انه سوف يقتصد كثيراً عندما يكون هو وزوجته بهذا المكان النائي الهادئ

 ليس امامه سوى الطبيعة والبحر والاسماك والتي هي في متناول يده متى أراد اصطيادها هذا كل ما فكر به ولم يفكر بشيء اخر سواه 

وفعلاً تم كل شيء وخصوصاً بالنسبة لزوجته وقد افهمها بكل ما نوى عليه وما اقدم عليه من الحياه الجديدة وانه ذاهب الى مقر العمل لتنظيم شئون السكن وعمل كل ما يلزم وفعلاً غادر المدينة الى الجزيرة وذلك بواسطة الزورق لأنه هو الوسيلة الوحيدة للوصول الى مقر علمه والجزيرة لا بأس بها من ناحيه المساحة فهي ليست صغيره وبها طبيعة جميله حيث يكثر فيها الأشجار المتناثرة هنا وهناك بدون تنظيم وكذلك الحشائش الخضراء والتي اعطتها منظراً خلاباً بالإضافة الى اسراب الطيور الجميلة والتي موجودة بكثرة في الجزيرة وخصوصاً لقضاء الليل والتفريخ فيها، احس خالد بكل ما حوله واخذ يحدث نفسه بقوله يا له من منظر خلاب وهدوء مريح للأعصاب ويالها من سكينه للنفس هذا الجو والطبيعة والهدوء هو ما يبتغيه خالد وكم كان يتمني الابتعاد عن ضوضاء المدينة وزحامها والبشر والجدال والنقاش الذي ينتهي عادة بدون الخروج الى نتيجة ولأول مره يحس خالد بأن الهواء الذي دخل رئتيه انظف وانقى هواء استنشقه في حياته تخيل زوجته بجانبه تشاركه في كل ما شاهده وحس به ثم توجه مع رفيقه سائق الزورق الى المنزل الوحيد بتلك الجزيرة والقابع في احد أركانها وعندما اقتربوا منه وجدوه يقع على ربوه مرتفعة تطل على البحر والمنزل عبارة عن كوخ من الخشب يبدو عليه الإهمال ويحتاج الى اصلاح والدولة سوف تساهم بقدر كبير معه في اصلاح هذا المنزل هذا وقد قام خالد بترتيب وإصلاح ما امكنه إصلاحه وذلك بمساعدة سائق الزورق ثم عاد خالد الى المدينة واخبر زوجته بكل ما شاهده في الجزيرة وطلب منها اعداد وتجهيز جميع لوازم المنزل من عفش وأدوات مطبخ استعداداً للرحيل بينما ذهب خالد الى السوق ليشتري جميع لوازمه الغذائية لمده أسبوع على الأقل وقد فرح خالد لان كل شيء سار حسب ما تخيله وحسب الجدول الذي وضعه لنفسه لاسيما بأن ما أقدم عليه من تغيير هو اول عمل يقدم عليه من تاريخ التحاقه بالوظيفة هذا ولو علم ما يخبئه له المستقبل لمَ اقدم على هذه المغامرة ولكن لا يعلم الغيب الا الله عز وجل .

استقر خالد وزوجته في عشهما الجديد ومضت أيام على زوجه خالد وكأنها السنين بينما خالد يراها من أجمل واسعد أيام حياته 

كانت الحياة روتينية جدا بالنسبة لهم فخالد يقوم بجولاته في اول الفجر وعند الظهر وعند الغروب وفي أواخر الليل قبل النوم ليتفقد السواحل والحدود ثم يعود الى الجزيرة للراحة 

اما زوجته فلا عمل لها سوى تحضير وجبات الطعام والتجوال بالجزيرة للنزهة كل يوم ثم العودة الى منزلها في انتظار زوجها حين عودته ، اما بخصوص سائق الزورق فأنه يذهب احياناً الى المدينة واحياناً يمضي الليل معهم اذا كان متعباً تلك الليلة وظل الجميع على هذه الحالة لمدة ثلاثة اشهر والزوجة يتسرب اليها الملل يوماً بعد يوم ولم تخبر زوجها بصراحة بكل كانت تلمح بهذا الموضوع تلميحاً خفيفاً كلما وجدت فرصه الا ان زوجها لم يكن يناقشها لأنه ايقن بأن الملل تسرب الى نفسها لعدم وجود انيس بهذه الجزيرة لاسيما هي التي تعودت على مخالطه الجيران وزياراتها المتكررة لأفراد اسرتها في كل مناسبة هذا ولم تمضي فتره حتى صارحته بانها لا تستطيع البقاء اكثر من ذلك وطلبت منه العودة الى المدينة وان تقيم عند اسرتها لحين تغيير وضعه هذا لاسيما انهم قد فقدو منزلهم بالمدينة 

هذا ولم يبدوا على خالد معارضه ولا موافقه لزوجته بل لزم الصمت التام لأنه فكر في الموضوع جيداً ووجد ان زوجته على حق في طلبها وكذلك وجد نفسه على حق لان طبيعة عمله تقتضيه الإقامة في هذه الجزيرة وبهذه الصورة التي يعيشها وبعد مضي أيام على مفاتحه زوجته له بطلبه العودة الى المدينة أخبرها بانه موافق على طلبها وان تسكن عند اسرتها لحين ان يتدبر امره مع عمله 

وذهبت زوجته وكان يزورها اذا ما سمحت له الفرصة عند زيارته المدينة لقضاء حاجته او عند الذهاب الى عمله لتلقي التعليمات هذا وقد مضت عليه حقبه من الزمن وهو على وضعه هذا دون ملل منه او ضجر وقد اقام سائق الزورق معه في المنزل بعد رحيل زوجته بصورة دائمه وشاء القدر ان يتدخل وفي احدى الأيام فوجئوا بزورق قادم للجزيرة وعند وصولهم اخذوا ينزلون وقد عرف خالد منهم انهم جماعة قاصدين الجزيرة للنزهة ولقضاء عطلة الأسبوع بها واستأذنو خالد في ذلك وقد رحب بهم كل الترحيب بل انه اندمج معهم وكانه احدهم وقد قضى الجميع ذلك اليوم في اصطياد السمك وعند حلول المساء تجمعوا في منزل خالد للسهر به وكان كل واحد فيهم يعمل ليعد طعام السهرة وكذلك خالد كان همه تامين مكان لضيوفه للنوم وقضاء ليله مريحه في ضيافته وعند حلول موعد النوم استلقى كل واحد منهم على فراشه طلباً للنوم بعد قضاء يوم جميل ظل خالد مستلقياً على فراشه وهو يفكر في امره وفي زوجته التي هجرته وكان بجانبه شاب من أعضاء الرحلة لاحظ على خالد القلق وكان فراشهما جنباً الى جنب فسأل طارق وهذا اسمه خالد عن ما يقلقه وعن الأسباب التي أبعدت النوم عن عينيه الى وقت متأخر من الليل 

فنظر اليه خالد مبتسماً وقال له انها قصة العمر فتشوق طارق الي سماعها فاخبره خالد بكل ما حصل له وكيف انه انتقل الى هذه الجزيرة وكذلك عن زوجته التي هجرته ولم تبقى معه في الجزيرة وقد وصف زوجته لطارق ووصف جمالها واخلاقها مم لفت نظر طارق الى ذلك وانه لا يملك من ذكراها سوى صورة في جيبه محتفظاً بها عندما يعاوده الحنين اليها يتأملها بحنان وشوق كل هذا ولم يلاحظ خالد الانفعال الذي بدا على طارق عند سماع هذه القصة وخصوصا عند سماعه عن جمال زوجه خالد وقد انتهى الاثنان من حديثهما واستسلما للنوم وعند شروق الشمس نهض الجميع مستقبلين اليوم الثاني للرحلة والأخير أيضا لانهم سوف يغادرون الجزيرة وعند قرب المساء تأهب الجميع للرحيل وفعلاً رحلوا بعدما قاموا بوداع خالد وزميله شاكرين لهم حسن ضيافتهم 

وجلس خالد يستعرض ما كان من هؤلاء الشباب وكيف انهم آنسوا وحدتهم لأيام مضت وقد عاود الحنين خالد الى ذكرى زوجته وتمنى لو كان معهم ذاهباً الى المدينة لرؤيتها وعندما خطرت بباله تلك الخاطرة قام الى ملابسه باحثاً عن صورة زوجته كعادته فلم يجدها وعاود التفتيش بدقه فلم يعثر عليها وظهر عليه الانزعاج ولاحظ السائق ارتباكه وسأله ماذا به فأخبره بم حصل وانه يشك بأن طارق قد سرق الصورة وربما يحاول الاتصال بزوجته لإغرائها او لغرض في نفسه الخبيثة وقد لامه زميله كثيراً على تصرفاته هذه وقال له ان هذه أمور عائليه تخصك لوحدك ولا يجب ان تطلع عليها احداً غيرك 

وكان خالد في اشد حالات الفزع والخوف من تصرف طارق هذا الا ان زميله طمأنه وأخبره ان طارق سوف لا يخطف زوجته ولا يستطيع عمل اي شيء. 

قال خالد له قم بنا نذهب للمدينة وعند تأهبهم للنزول جاءتهم مخابره بان هناك مهربين وعليهم تتبع خطواتهم وارشاد السلطات بتحركاتهم حتى يمكن القبض عليهم وقد تلقى خالد هذه المكالمة وكأنها صاعقه نزلت عليه وقد استمرت مراقبه خالد للمهربين عدة أيام وكانت من أطول أيام حياته وبعد مضي أسبوع تقريباً تمكنت السلطات من القبض على المجرمين وفي هذه الحالة تمكن خالد من الذهاب الى المدينة وكأنه يزورها لأول مره في حياته وفور وصوله الشاطئ توجه فوراً وبدون تفكير الى منزل اسرة زوجته وعند وصوله لم يطرق الباب كعادته بل دخل مسرعاً الى الداخل وهو يصيح اين هي ؟ اين هي؟ فلقيه جميع من في المنزل بدهشة لتصرفاته هذه فأخبروه بوجودها فوقع في اغماءه من فرط انفعاله وعندما صحى وجد زوجته بجانبه وسالته عن تصرفاته هذه فاخبرها عن ذلك اليوم المشؤوم الذي قابل فيه ذلك الشاب وزملاءه في الجزيرة وعن قصه الصورة التي فقدها واخرجت الزوجة الصورة وقالت له وفي لهجتها غضب وزعل لا تخف ان الصورة معي فاستغرب خالد وسألها كيف حصلت عليها؟ فأخبرته بان ذلك الشاب اتى الى منزلهم وطلبها شخصياً وأخبرها بكل ما حصل واراد اغرائها وأنها أي الزوجة قد تحايلت عليه واخذت الصورة منه  

وقد عاتبت زوجها على هذا التصرف الغير مسؤول كذلك اخبرت زوجها ان ذلك الشاب طلب منها الانفصال عن زوجها ليتزوجها وانه شاب غني وقد أحبها عندما سمع قصتها من زوجها وخصوصاً عندما رأى صورتها وجمالها  

صمت ثقيل مر على خالد وقد تغير وجهه ............ثم سأل زوجته ما رأيها في هذا الموقف؟

فصارحته زوجته بآن لا يقف في طريق مستقبلها على حد قولها وان يتركها في حال سبيلها لأنها لا تستطيع العيش معه وهو على حالته هذه وخصوصاً عندما ذهب الى تلك الجزيرة برغبته 

وكل هذا وهو في دهشة من امره عندما سمع كلام زوجته وهولا يصدق اذنيه وظن انه يحلم وحاول ان يقف فلم يستطع وحاول ان يتحرك فوجد نفسه عاجزاً عن الحركة فطلب من أقارب زوجته ان يعينوه على الوقوف وعندها تأكد انه أصيب بشلل اعاقه عن الحركة بسبب هذه الصدمة التي لم يكن يتوقعها وخصوصا من زوجته كل هذا وزميله سائق الزورق في انتظاره بالخارج فطلب منهم مناداته وعندما دخل السائق وجد صاحبه في حاله يرثى لها ولم يصدق عينيه عندما رأي خالد لا يستطيع السير على قدميه فساعده وذهب معه الى أخيه الوحيد ليخبره ما حصل ثم بعد ذلك طلب من السائق ان يذهب الى مقر عمله ويخبرهم عن جميع ما حصل له وكذلك رغبته في البقاء في الجزيرة لمواصلة عمله حتى يتسنى له الشفاء مع مرور الزمن او حتى يقضي الله امراً كان مفعولا 

وفعلاً عاد خالد الى الجزيرة ومعه زميله سائق الزورق وظل خالد يستعيد ذكريات الماضي بعد ان بعث بورقة الطلاق لها غير نادم على زوجة مثلها لأنها لم تقدر كفاحه واخلاصه هذا وقد أمضي خالد بقية حياته بالجزيرة حتى المدينة قاطعها فلم يعد يقوم بزيارتها كما كان يفعل في الماضي وكل متطلباته يجلبها له السائق دون ان يفكر في النزول الى المدينة لأنه لم يعد له أي اتصال بها وخصوصاً لا يوجد لديه أقارب حتى يقوم بزيارتهم او السؤال عنهم ما عدى اخ له وهو ايضاً مشغول في حياته 

اما بخصوص خالد فانه عزم على البقاء طوال حياته بالجزيرة حتى يستقبل ربه عندما يحين الاجل المحتوم 

اما بخصوص زوجته السابقة فقد تزوجت ذلك الشاب بعد حصولها على الطلاق ولكنها لم تكن هانئة وسعيدة لان ضميرها كان يؤنبها طوال الوقت لم ارتكبته في حق زوجها المسكين الذي أصيب بالشلل بسببها وكان يدور في خاطرها احياناً عندما تنظر الى زوجها الجديد بآنه حقير ومتآمر لأنه اغراها بكل الوسائل الحقيرة وكانت لا تستطيع البوح له او لغيره من اقاربها بم يعتلج في صدرها من كراهية لزوجها الجديد على تصرفه مع زوجها السابق وكذلك احتقرت نفسها لأنها اطاعته أيضا وكانت تظن انها سوف تهنئ في حياتها الجديدة ولكن شبح زوجها السابق لم يفارقها لحظة وهكذا عاشت في قلق وفي حيرة من امرها مشتتة الافكار ولا يهنئ بالها ليل ولا نهار .



بقلم / خضر محمد العلي 

الدمام عام ١٩٦٨م


الاثنين، 11 يناير 2021

العدالة


كان صورة طيبة من ناحية الخلق معتدل القامة هادي الطباع ذو عينان عسليتان يشع منهما بريق يجلب اليه القلوب ويجعل الناظر اليه يعرف انه من الاذكياء القلائل الذين ربما يصادفهم الانسان في حياته اليومية بالإضافة الى انه القائم وبكفائه عالية في إدارة اعماله التجارية والتي تتكون من فروع عديدة في الأقطار العربية المتفرقة مم يضطره عمله ان يكون مسافرا للإشراف على هذه الفروع وعلى سير اعماله بنفسه وحدث اني كنت في قطر عربي اقضي بضعة أيام للنزهة وشاءت الظروف ان اتعرف عليه واجتمعنا في مقهى عام ولم يكن ثرثاراً بل رزيناً بكل ما ينطق به وكان يملك روح تتوفر فيها المداعبة اللطيفة المقبولة كذلك صوته رقيقا لدرجة انه اذا غضب لا يعرف كيف يرفعه وكانت ابتسامته لا تغيب عن شفتيه ولاشك ان هذه الصورة في مجموعها تجعلك تثق بانه رجل يحب جميع من حوله من انسان الى حيوان 

وكان محمد غنياً بكل معنى الكلمة غني المادة والنفس معاً وهذه الصفة قلما تجدها في انسان وقد نشأ عصامياً فهو الذي جمع ثروته الطائلة وعندما تجلس اليه لا يخطر ببالك ان هذا الرجل وبهذه الصفات الطيبة يمكن ان يكون مصدر اذى لأحد وقد انتابني شعور غريب نحوه واني قادم على تلمس مأساة غريبه في حياته لا اعرف كيف تبدأ وتنتهي 

هذا وقد دعاني محمد ان اتناول الغداء معه وعند الموعد المحدد اجتمعنا على مائدة الغداء وفي هذه الاثناء رايته يشير بيده يحي رجلا كان ماراً ثم التفت نحوي وهو يقول: هل تعرف خالد؟ 

واجبته باني رايته بالمقهى كما سمعت ان لا عمل له الا التجوال يوميا بين الزبائن الموجودين وحدجني بنظرة سريعة وهو يهمس كثيرون هنا من هذا الطراز 

وقلت له: سمعت أيضا انه يلعب القمار بمهارة فائقة 

فقال: كلهم أيضا يحسنون لعب القمار لقد كان هناك في العام الماضي رجل من هذا الطراز وقد كان مغامراً ماهراً وكانت تتوفر فيه غريزة داخليه تكشف له عن الورق وكان ربحه مضموناً في كل لعبه يلعبها ليلياً وكل شيء يا اخي له بداية ونهاية وقد تكون نهاية هذه القصة التي سأرويها لك محزنه بعض الشئ وفيها نوع من الخيال ولكنها وقعت معي فعلاً ولم اخبر بها احداً من قبل 

تعرفت الى إحدى المغامرين وكنت احبه لأنه كان مسالماً في تعامله مع الاخرين وكان هذا المقامر ينفق على نفسه من نقود تصله باستمرار ومم يربحه من لعب القمار ليلياً وقد زارني هذا المقامر يوما في مكتبي وأخبرني بدون مقدمات بانه أفلس ويريد مني ان أجد له عملا والواقع أنى دهشت في البداية لأني ظننت انه من الوارثين وقد أخبرني بانه لا نقود ستصله بعد اليوم وانه يريد ان أجد له عملا باي شكل كان.

لم يخبرني عن سبب انقطاع النقود عنه وكيفية حصوله على هذه النقود فسألته: ماذا يعمل من قبل؟

 وقال: بكل صراحه لم اعمل في حياتي وليست لدي أي معرفه بأي عمل

 وقلت له: أخشى ان لا أستطيع مساعدتك 

واجابني قائلاً بانه لم يعد حسن الحظ في لعب القمار وقد خسر كثيراً وان الفندق الذي يسكن فيه هدده بالطرد وان لا سبيل له الا بإيجاد عمل وقد احسست وانا استمع اليه انه قد تحطم فعلاً واجابني بكل خجل اعرف السباحة وقد اخذت بها جوائز عديدة 

فقلت له: هل تعتقد ان شخص مثلك وبهذا الوضع يستطيع الحصول على وظيفة مناسبة ثم ما هو العمل الذي تريد مني اسناده اليك أخبرني بربك ....... وفكرت ملياً للتخلص من هذا المأزق الحرج وقلت له قابلني غدا بالفندق 

تقابلنا في الموعد وبالصدفة كان الفندق يقع على شاطئين متقابلين فقلت له: أنك اخبرتني يوم أمس بانك تجيد السباحة 

فقال: نعم

 فقلت له: اريد ان اختبرك في قطع المسافة ما بين الشاطئين وإذا نجحت فساجد لك عملا عندي وبعد تفكير طويل قال: متى ابدا السباحة؟

فقلت له: غدا صباحا وفي هذه اللحظة مرت سحابه قاتمه على وجهه لم اعرف لها سبباً 

وفي صباح الغد ذهبت الى الشاطئ ولم اعثر عليه وظننت انه تراجع عن الاتفاق في اللحظة الأخيرة وبينما انا في الانتظار وإذا بشخص يخبرني بان التيار قد جرف جثة شاب كان يسبح محاولًا قطع المسافة بين الشاطئين وان الظروف كانت معاكسه له حيث قد هبت عواصف اوجدت تيارا قوي لم يستطع المسكين مقاومته 

ولم نستطع العثور على جثة المسكين الا في اليوم التالي وذلك بعد هدوء العاصفة

 كل هذا وانا استمع الي حديث صاحبي بل بقيت صامتاً مذهولاً

 وأخيرا سألته هل كنت تعرف انه سيغرق؟

وحدق الرجل في وجهي متعجباً كيف هذا؟ وهو يحمل كؤوس وجوائز في السباحة

 ولكني اردت اختباره وتعجيزه لعله يفشل في محاولته واكون في حل من وعدي له ولكن النتيجة جاءت مؤلمه بالنسبة له لأنه لم يستطع قطع المسافة للظروف الجوية السيئة والتي لم يقدرها تماما 

فقلت له: هل فكرت ان تسال نفسك من هو السبب في غرق ذلك المسكين 

فقال: على كل حال لست انا وفرضاً إذا كنت انا السبب في ذلك من غير المعقول ان اخبرك عن هذه الحادثة المؤلمة 

فلم اجبه بل استأذنت منه على أنى ذاهب الى الحمام وذهبت فوراً الى غرفة الهاتف واخبرت الشرطة بالحادث وحضر رجال الشرطة للقبض عليه 

وقلت له قبل ان يذهب: دعني اخبرك لماذا أطلعتني على سرك لتعرف عن كثب مدى تورطك في جريمة غرق ذلك المسكين وان ضميرك يعذبك 

ولكن سوف اترك للعدالة ان تريحك مم انت فيه من عذاب الضمير.



بقلم / خضر محمد العلي 

سنة / ١٩٦١ م


الابن العاق

عندما توفيت والدتي كنت قد جاوزت سن الخامسة عشر وكنت أكبر اخوتي الستة  كان والدي موظفاً حكومياً لم يبخل علينا بشيء وقد وفر لنا المعيشة في مست...