الاثنين، 11 يناير 2021

العدالة


كان صورة طيبة من ناحية الخلق معتدل القامة هادي الطباع ذو عينان عسليتان يشع منهما بريق يجلب اليه القلوب ويجعل الناظر اليه يعرف انه من الاذكياء القلائل الذين ربما يصادفهم الانسان في حياته اليومية بالإضافة الى انه القائم وبكفائه عالية في إدارة اعماله التجارية والتي تتكون من فروع عديدة في الأقطار العربية المتفرقة مم يضطره عمله ان يكون مسافرا للإشراف على هذه الفروع وعلى سير اعماله بنفسه وحدث اني كنت في قطر عربي اقضي بضعة أيام للنزهة وشاءت الظروف ان اتعرف عليه واجتمعنا في مقهى عام ولم يكن ثرثاراً بل رزيناً بكل ما ينطق به وكان يملك روح تتوفر فيها المداعبة اللطيفة المقبولة كذلك صوته رقيقا لدرجة انه اذا غضب لا يعرف كيف يرفعه وكانت ابتسامته لا تغيب عن شفتيه ولاشك ان هذه الصورة في مجموعها تجعلك تثق بانه رجل يحب جميع من حوله من انسان الى حيوان 

وكان محمد غنياً بكل معنى الكلمة غني المادة والنفس معاً وهذه الصفة قلما تجدها في انسان وقد نشأ عصامياً فهو الذي جمع ثروته الطائلة وعندما تجلس اليه لا يخطر ببالك ان هذا الرجل وبهذه الصفات الطيبة يمكن ان يكون مصدر اذى لأحد وقد انتابني شعور غريب نحوه واني قادم على تلمس مأساة غريبه في حياته لا اعرف كيف تبدأ وتنتهي 

هذا وقد دعاني محمد ان اتناول الغداء معه وعند الموعد المحدد اجتمعنا على مائدة الغداء وفي هذه الاثناء رايته يشير بيده يحي رجلا كان ماراً ثم التفت نحوي وهو يقول: هل تعرف خالد؟ 

واجبته باني رايته بالمقهى كما سمعت ان لا عمل له الا التجوال يوميا بين الزبائن الموجودين وحدجني بنظرة سريعة وهو يهمس كثيرون هنا من هذا الطراز 

وقلت له: سمعت أيضا انه يلعب القمار بمهارة فائقة 

فقال: كلهم أيضا يحسنون لعب القمار لقد كان هناك في العام الماضي رجل من هذا الطراز وقد كان مغامراً ماهراً وكانت تتوفر فيه غريزة داخليه تكشف له عن الورق وكان ربحه مضموناً في كل لعبه يلعبها ليلياً وكل شيء يا اخي له بداية ونهاية وقد تكون نهاية هذه القصة التي سأرويها لك محزنه بعض الشئ وفيها نوع من الخيال ولكنها وقعت معي فعلاً ولم اخبر بها احداً من قبل 

تعرفت الى إحدى المغامرين وكنت احبه لأنه كان مسالماً في تعامله مع الاخرين وكان هذا المقامر ينفق على نفسه من نقود تصله باستمرار ومم يربحه من لعب القمار ليلياً وقد زارني هذا المقامر يوما في مكتبي وأخبرني بدون مقدمات بانه أفلس ويريد مني ان أجد له عملا والواقع أنى دهشت في البداية لأني ظننت انه من الوارثين وقد أخبرني بانه لا نقود ستصله بعد اليوم وانه يريد ان أجد له عملا باي شكل كان.

لم يخبرني عن سبب انقطاع النقود عنه وكيفية حصوله على هذه النقود فسألته: ماذا يعمل من قبل؟

 وقال: بكل صراحه لم اعمل في حياتي وليست لدي أي معرفه بأي عمل

 وقلت له: أخشى ان لا أستطيع مساعدتك 

واجابني قائلاً بانه لم يعد حسن الحظ في لعب القمار وقد خسر كثيراً وان الفندق الذي يسكن فيه هدده بالطرد وان لا سبيل له الا بإيجاد عمل وقد احسست وانا استمع اليه انه قد تحطم فعلاً واجابني بكل خجل اعرف السباحة وقد اخذت بها جوائز عديدة 

فقلت له: هل تعتقد ان شخص مثلك وبهذا الوضع يستطيع الحصول على وظيفة مناسبة ثم ما هو العمل الذي تريد مني اسناده اليك أخبرني بربك ....... وفكرت ملياً للتخلص من هذا المأزق الحرج وقلت له قابلني غدا بالفندق 

تقابلنا في الموعد وبالصدفة كان الفندق يقع على شاطئين متقابلين فقلت له: أنك اخبرتني يوم أمس بانك تجيد السباحة 

فقال: نعم

 فقلت له: اريد ان اختبرك في قطع المسافة ما بين الشاطئين وإذا نجحت فساجد لك عملا عندي وبعد تفكير طويل قال: متى ابدا السباحة؟

فقلت له: غدا صباحا وفي هذه اللحظة مرت سحابه قاتمه على وجهه لم اعرف لها سبباً 

وفي صباح الغد ذهبت الى الشاطئ ولم اعثر عليه وظننت انه تراجع عن الاتفاق في اللحظة الأخيرة وبينما انا في الانتظار وإذا بشخص يخبرني بان التيار قد جرف جثة شاب كان يسبح محاولًا قطع المسافة بين الشاطئين وان الظروف كانت معاكسه له حيث قد هبت عواصف اوجدت تيارا قوي لم يستطع المسكين مقاومته 

ولم نستطع العثور على جثة المسكين الا في اليوم التالي وذلك بعد هدوء العاصفة

 كل هذا وانا استمع الي حديث صاحبي بل بقيت صامتاً مذهولاً

 وأخيرا سألته هل كنت تعرف انه سيغرق؟

وحدق الرجل في وجهي متعجباً كيف هذا؟ وهو يحمل كؤوس وجوائز في السباحة

 ولكني اردت اختباره وتعجيزه لعله يفشل في محاولته واكون في حل من وعدي له ولكن النتيجة جاءت مؤلمه بالنسبة له لأنه لم يستطع قطع المسافة للظروف الجوية السيئة والتي لم يقدرها تماما 

فقلت له: هل فكرت ان تسال نفسك من هو السبب في غرق ذلك المسكين 

فقال: على كل حال لست انا وفرضاً إذا كنت انا السبب في ذلك من غير المعقول ان اخبرك عن هذه الحادثة المؤلمة 

فلم اجبه بل استأذنت منه على أنى ذاهب الى الحمام وذهبت فوراً الى غرفة الهاتف واخبرت الشرطة بالحادث وحضر رجال الشرطة للقبض عليه 

وقلت له قبل ان يذهب: دعني اخبرك لماذا أطلعتني على سرك لتعرف عن كثب مدى تورطك في جريمة غرق ذلك المسكين وان ضميرك يعذبك 

ولكن سوف اترك للعدالة ان تريحك مم انت فيه من عذاب الضمير.



بقلم / خضر محمد العلي 

سنة / ١٩٦١ م


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الابن العاق

عندما توفيت والدتي كنت قد جاوزت سن الخامسة عشر وكنت أكبر اخوتي الستة  كان والدي موظفاً حكومياً لم يبخل علينا بشيء وقد وفر لنا المعيشة في مست...