الأربعاء، 30 سبتمبر 2020

الرجل الرهيب




وصل عبد العزيز الى المحطة قبل قيام القطار بدقائق ودخل الى احدى عربات الدرجة الثانية وهو لا يستطيع معرفة طريقه فقد كانت العربات مظلمه ولم تكن هناك اضاءة كافيه لان الوقت كان بعد الغروب ولا تضاء الانوار الا حين قيام القطار فجلس عبد العزيز في ركن احد العربات وكان هناك رجل يجلس امامه في الركن المقابل لم يتبين عبد العزيز ملامحه بشكل عام والجدير بالذكر ان عبد العزيز لم يتجاوز الخامسة عشره من عمره وهو طالب يدرس في احدى العواصم العربية وهاهو الان يعود الى مقر دراسته وفي الوقت الذي بدأ عبد العزيز يرتب حقائبه في مكانها بدأ القطار بالتحرك بينما اضيئت جميع العربات وكانت المصابيح ترسل نورا خافتا لا يستطيع الشخص ان يميز الذي بجانبه ولكن عبد العزيز استطاع ان يميز ملامح الرجل الجالس امامه وتبين انه دقيق الملامح ذو عينين سوداويين ويبدو من جلسته انه متوسط الطول لم يتعدى الثلاثين من عمره وكان يضع على صدره ورجليه غطاء سميك وكانت السيجارة لا تفارق شفتيه وعيناه تتحرك في كل اتجاه في هذا المكان الضيق وتستقران أخيرا على عبد العزيز وخيل الى عبد العزيز ان سهمان يخرجان من عيناه يكادان ينفذان الى صدره لذلك ضم ساقيه وجلس منكمشا وبعد ان ترك القطار المدينة عاد الظلام مره أخرى الى العربة وانطفأت المصابيح استعدادا للنوم وخيم ظلام مخيف على الجميع وكان الرجل صامتا ولم يحول نظراته عن عبد العزيز وكان  باب العربة مغلقا على الدوام لان البرد كان شديدا كذلك التراب كان ينفذ خلال الفتحات كالإبر على وجوه الركاب من شدة سرعة القطار وكان عبد العزيز ينظر دائما الى ممر العربة من خلال النافذة الزجاجية كذلك كانت نظراته تستقر على الرجل الجالس  في مكانه دون حركه والذي كان لا يحول عينيه عنه الا قليلا وكانت حركة القطار الرتيبة ودوي العجلات تحته تساعده على الاسترخاء وترك كل الخواطر التي في رأسه وكان عدم تعوده على السفر وحده جعله اكثر قلقا ولم يدري عبد العزيز لماذا كانت نظراته دائما تتركز على الممر وقد رأى رجلا كان قد مر من قبل ونظر من النافذة الزجاجية الى الداخل وهاهو يعود وينظر مره أخرى وقد تبعه شخصان من بعده في الظلام كالجرذان المذعورة ولم يتبين عبد العزيز وجهيهما واراد عبد العزيز ان يتجاذب الحديث مع هذا الرجل الجالس امامه لعله يدخل على نفسه الهدوء مم هو فيه من رعب بسبب هذه النظرات الموجه اليه 
فال يخاطب الجالس امامه:   
لماذا يتركون العربات هكذا في مثل هذه الكآبة؟
انا لا أحب ان اسافر ليلا وخصوصا في القطارات 
ولم يتلقى عبد العزيز أي جواب من هذا الرجل القابع امامه وارتجف ونظر الى الرجل وكان صامتا بدون حركه ففكر عبد العزيز بأن الرجل الجالس امامه لا يريد ان يخوض معه في الحديث 
وعاد الصمت يخيم مرة أخرى على الجميع وانطلق القطار بأقصى سرعته يطوي الصحراء والرمال ويشق الليل وكانه سهم منطلق وكان عبدالعزيز يود ان يبحث عن مكان في عربه أخرى خصوصا ان الركاب صار عددهم يقل شيئا فشيئا من عربته وتصور نفسه بمفرده مع ذلك الرجل ولكنه وجد نفسه لا يستطيع ان يتحرك وظل في مكانه ينظر الى الرجل الجالس امامه في الظلام والرجل كذلك ينظر اليه في صمت وفكر أخيرا ان لا يظهر امامه بمظهر الخائف لان ذلك سيشجعه على المغامرة والطمع في سلبه او ارتكاب جريمة ولكن الخوف قد سيطر عليه بعد ان اصبح معه وحيدا في مكان صغير والباب مغلق عليهم والنوافذ مغلقه أيضا ولا وجود للنور وخصوصا ان من بقي من الركاب قد نام لأنه ظل يترقب كل حركه في الممر ولكنه لم يرى شخصا يمر تلك الساعة وأخيرا نظر الى الرجل الجالس امامه وكان يدخن بكثره وعيناه المتقدتان تكاد تحرقه في مقعده وكان الرجل صاحيا طول الوقت وغاظه انه كان هادئا ممتلكا لزمام اعصابه ولم يؤثر عليه النوم او التعب وقد جعله هذا الهدوء العجيب يرتجف اكثر فأكثر ونظر عبد العزيز الى الرجل الجالس وتعجب من الغموض الذي يحيط به كذلك لفت نظره ان الغطاء السميك بدأ ينزل من على صدره حتى وصل الى ركبتيه ولم يتحرك الرجل ليرجعه كما كان وفكر 
عبد العزيز انه سيقضي عليه ليسرقه او ليقتله واغلق عبد العزيز عينيه ينتظر الشئ المقدر من ذلك الرجل كما تخيله وفكر انه لابد حامل سلاحا ليستخدمه في مثل هذه الحالات ولما فتح عينيه وجد الرجل لايزال في مكانه لم يتحرك فنظر اليه وفمه مفتوح ثم اغلق عينيه مره أخرى ولم يصدق ان ذلك الرجل جالس في مكانه كما كان وراح عبد العزيز يفكر في حوادث القطارات فلم يجد من بينها حادثه سرقه ولكنه تذكر حوادث قتل وقال ليطمئن نفسه لم اعمل شيء لهذا الرجل حتى انه يقدم على هذا العمل وكل ما يريده هو سرقة ما معي وسوف يتمكن من ذلك بدون ان يقتلني ولاشك ونظر عبد العزيز الى الرجل الجالس امامه لم يغير من وضعه وكان يدخن في هدوء وعجيب وينظر اليه بنظرات رهيبة لم يستطع عبد العزيز ان يفسرها وفكر انه سيقاوم بشراسه الى اخر نفس في حياته ولن يستسلم لذلك الشرير وقبل ان يدخل القطار الى العاصمة جاء الرجلان الذين رآهم عبد العزيز في اول طلوعه بالقطار يتجولان بالممرات ووقفا بجوار الباب ونظرا من النافذة الى الداخل ثم فتح واحدا منهم باب العربة وتناول حقيبة فوق الرف ووضعها في الممر وظل مكانه ينظر من النافذة الى حدود المدينة المقبلة ولما دخل القطار المحطة نظر عبد العزيز الى الرجلان فاذا بهما يقفان الى جوار المقعد الذي كان الرجل جالسا عليه ولما توقف القطار رآهما عبد العزيز ينحنيان على الرجل الجالس امامه ويحملانه الى الخارج فسقط الغطاء السميك من فوق ساقي الرجل وفي هذه اللحظة نظر عبد العزيز الى ساقيه المتهدلتين دون حركه وقفز عبد العزيز من مقعده وحمل الغطاء وغطى به ذلك الرجل وابتسم له الرجل شاكرا ومودعا بدون ان يتكلم وأخيرا وعندما خرجو بالرجل من المقصورة فهم الشئ الذي لم يكن يتوقعه فهم انه مشلول وانه لا يستطيع الكلام أيضا وآلمه انه لم يعرف حالته طول الوقت ولم يعاونه عندما سقط الغطاء من على صدره بينما كان في إمكانه ان يفعل ذلك وافاق من ذهوله وكانه يحلم وهو نائم طول السفر ونزل عبد العزيز من القطار حاملا حقيبته وهو يفكر كيف سمح لنفسه ان يتهم ذلك الرجل العاجز عن الحركة بالإجرام في حين انه لا يستطيع التحرك من مقعده الا بمساعده أناس اخرين ومشى عبد العزيز بين الجموع المحتشدة بالمحطة واختفى قبل ان يفيق من ذهوله بين القادمين والمسافرين.


بقلم / خضر محمد العلي  
سنه / ١٩٦٥م 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الابن العاق

عندما توفيت والدتي كنت قد جاوزت سن الخامسة عشر وكنت أكبر اخوتي الستة  كان والدي موظفاً حكومياً لم يبخل علينا بشيء وقد وفر لنا المعيشة في مست...