الأحد، 26 فبراير 2012

الفن المستتر

( قصة )

عرفته عندما قدم وافدا الى هذا البلد منذ زمن بعيد كان لا يجد ما يسد به رمقه وقد توسط له بعض الاصدقاء في ادخاله احدى المصالح
وكان مرتبه لا يتجاوز مائتين ريال بحال من الاحوال يتناولها ويقبل يده ظهرا لبطن وكان يسكن في منزل لا داعي ان اسميه بغير هذا الاسم وفي حاره تسير نحو نصف ساعه في دروب وازقه ملتويه من اليمين الى اليسار  وبالعكس فتجد نفسك امام منزل متهالك يتحدث كل مظهره عن الفقر والقدم وفي غرة في المنزل كان يعيش ويالها من عيشة على سراج هارب منه النور وبها حصيرة مفروشة على الارض وبدون اعتناء ومخدة مع فراش للنوم والجلوس عليه معا كذلك هناك ادوات متناثرة تستعمل للطعام ولا أحدثك عن الأقذار المتراكمة على تلك الأدوات وعلى المفرش الوحيد وعن الحجره بكاملها وكان كل ما يملكه ويعتز به من حطام الدنيا الشهادة الابتدائية التي اوصلته الى عمله ودارت عجلة الزمان واذا بي ادخل يوما محلا تجاريا من المحلات الكبيرة لشراء بعض اللوازم ولم اكد ادخل حتى اقبل علي شخص لم اعرفه في بادئ الامر وسلم علي بحراره وهو يبالغ في لفت نظري اليه وامعنت فيه النظرات فضحك وقال : الم تعرفني ؟ انا فلان  
فقلت له : سبحان المعطي ماالذي اوصلك هذه المنزلة ؟ وهل انت صاحب المحل ؟
فقال : نعم وكان يرتدي لباسا تبدو عليه الاناقه مما جعله يبالغ في لفت نظري اليه وتبادلنا الحديث والتحيات وقال : اما تكتب شيئا في صحفكم تدافع به عنا نحن الفنانين نحن في خطر ياصديقي ويكاد الكساد يهدد اعمالنا انك لا تتصور كم ضحينا في سبيل الفن لقد وهبت حياتي وجميع ما املك في سبيله لقد درست عدة لغات لأتقن الفن وكنت نجما لمدة خمس سنوات أفلا تتمنون لي الاستمرار والتقدم فعجبت لما يقوله وبهذه اللهجة الحارة وكدت اظن به الجنون وبينما انا في ذهولي واذا به يقول :تعال معي الى مقر الشركة اطلعك على تضحياتي في سبيل الفن فخرجنا واذا به بالمفاجأه الثانيه عبارة عن سياره من اخر طراز وركبنا وكان يحاول اظهار شخصيته بهذه الحركات وحملتنا السيارة الى ثالث مفاجأة وفي عمارة لم استطع ان اعد طوابقها مما هي عليه من الارتفاع قال وافدي الكريم ! لقد بنيتها حديثا وصعدنا الى العمارة وكانت كل طابق فيها يحتوي على عدة منازل ودخلنا المكتب وكان في الدور الثامن وتظهر عليه الفخامه واخذ صاحبي يشرح لي عن الفن والمجهود الذي بذله من اجل الفن وقد طال الحديث وخطر ببالي سؤال ؟
فقلت له : هل كل ماتملك من المتجر والسياره والعماره وكل ما ارى حولي من الفن ؟
فرد بقوله : نعم
فستأذنت في الخروج وانا لا اصدق نفسي ان هذا الشخص هو الذي دار حديثي معه في مطلع هذه القصه والتي لم اصدق انا ايضا انه قد جمع هذه الثروة الطائلة من الفن واي فن يقصد هذا الصديق ؟!
فقد كان يجيد الرسم بالزيت وقد اطلعني عندما عرفته اول وهله على هوايته هذه على انه من هواة الرسم بالزيت فسألت نفسي اكل هذا الخير من الفن ومن خلال الصور الزيتيه التي كان يرسمها
واستغفرت الله على مادار بخاطري وعلى كيفية جمعه السريع لهذه الثروة الطائلة وهل كان من يعرفه منذ خمس سنوات يصدق انه جمع هذا المال من الفن وحده اما انا فلا  ولن اصدق ذلك الا ان افسر الفن بشئ اخر لا يتورع ذو نفسيه مستهترة بالقيم والاخلاق ولا يمارسه ذو ضمير حي يستهدي في تصرفه ضوءا من نور الوجدان السليم ولا لما كان جمع هذه الثروة الطائلة في هذا الوقت القصير واني اذ ارجع الى الله عز وجل واقول ولله في خلقة شؤون !!!




بقلم / خضر محمد العلي 
سنة/ ١٩٥٩م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الابن العاق

عندما توفيت والدتي كنت قد جاوزت سن الخامسة عشر وكنت أكبر اخوتي الستة  كان والدي موظفاً حكومياً لم يبخل علينا بشيء وقد وفر لنا المعيشة في مست...