اجتمع الأصدقاء على عادتهم بعد ظهر كل اثنين لزيارة صديقهم المريض بالمستشفى
اما قبل ذلك أعنى قبل سنه تقريبا فقد كان المريض من الذين يشار اليه بالبنان وكان من الجاه والنفوذ الشئ الكثير.
قص أحد أصدقائه قصته الحزينة الآتية: -
عندما نزلت به الكارثة التي انتهت به الى المستشفى في حالة جنون وانحراف عقلي جعلنا نحن الأصدقاء نلتقي به كل يوم اثنين من أيام الأسبوع وكل منا يحمل له هدية ومرت الأشهر وكان عدد الزائرين من الأصدقاء يقل شيئا فشيئا حتى اتى يوم لم أجد من الأصدقاء يزوره غيري ولعلي أجد لهؤلاء الأصدقاء بعض العذر وليس كله في عدم زيارة هذا الصديق
لقد بدأوا يشعرون بالضيق من أحاديث الصديق المريض لقد مضت شهور عده وانا أزوره خلالها وكان حديثه لا يتغير فلا اسمع منه سوى حكاية واحده فقط يرويها لنا طول مده جلستنا عنده في كل مره وبدون تغيير او تجديد والحقيقة ان النفس قد ملت ما عليه وضع هذا الصديق
كان يقول مررت بتجربة لم يسبق ان مر بها انسان قبلي ولا بعدي وذلك في طفولتي عندما مات والدي كنت حينذاك طفلا في العاشرة من عمري وكانت امي لا زالت في عنفوان شبابها وقبل ان يمر عامان على وفاة والدي تزوجت والدتي برجل غليظ القلب عديم العاطفة وقد حرمني اقل مظاهر العطف حتى انه كان يقسو علينا انا ووالدتي اذا راي منها شيئا من المودة نحوي وكان عمري كما قلت لكم في العاشرة وقد سبب هذا الرجل عقده نفسيه لي بحيث انني كنت غليظا انا الاخر في معاملتي للغير وقد زرع في نفسيتي القسوة والجبروت في معامله الاخرين لقد التحقت في سن العاشرة بالمدرسة ودارت عجلة الزمن وتخرجت من المدرسة وعملت وثابرت حتى وصلت الى ما وصلت اليه أخيرا كما تعلمون ولكن الكارثة هي انني فقدت قلبي هذا الجهاز الإلهي الذي يحب به الناس بعضهم بعضاً
ولكن الوضع الاجتماعي الذي وصلت اليه جعل الناس تحترمني وخصوصاً في اعمالي التجارية وكانت المشكلة الوحيدة التي كنت أفكر بها دائما هي الزواج وكيف اتزوج وانا على هذه الحال من القسوة واي امرأه التي سوف تصبر على قسوتي ولكن أراد الله ان قررت ان اتزوج ولقد اخترت شريكة المستقبل بعد موافقتها وتم الزواج واحتفل الأقارب والأصدقاء والزملاء في العمل بزواجي واني على ثقه من انها كانت مجامله غريبه الشكل من الجميع انهم اظهروا لي ابتهاجهم بزواجي تملقاً منهم وانا واثق من ذلك وكذلك اهل العروس لم يرضوا بي زوجا لابنتهم حباً في شخصي بل بالنفوذ والمال والحياة التي اتمتع بها
مضت عدة شهور مع شريكة الحياه وانا اعاملها كموظفة بالمنزل ولا ادع لها فرصة التقرب مني او الحديث معي الا اذا طلبت منها ذلك والا ظلت طول يومها ملازمة للسكون فحاولت المسكينة ان تغير من وضعي بعض الشئ وجعلت تتقرب لي بأسلوب اخر وكيف اننا زوجان ويجب ان يكون التفاهم والتجاوب موجودين بيننا فنظرت اليها نظرة تعجب قائلاً لها هذا كلام فارغ ولم اسمع به الا بالروايات فقط لاوجود له في الواقع ، فانحدرت من عينيها دمعه وارتمت عند قدمي وامسكت بيدي تريد تقبيلها وهي تقول والدموع تنهمر من عينيها اقسم لك اني احبك واني اعطف عليك لما انت فيه فقلت لها كم مره سمعت هذا الكلام من اقرب الناس لي من والدتي ولكن عندما يحضر زوجها تعود كما كانت ان الحب هذا خرافه لاوجود له فدعي عنك هذه الخزعبلات التي لا اصدقها
وفي هذه اللحظة اخذت سماتها تتغير وتتبدل وإذا بها تنهض من مقعدها وقد احمرت وجنتاها وهوت علي بصفعة قوية
ووقفت مندهشاً لم حصل وهنا ارتمت على مقعدها والدموع تنفجر من قلبها هذه المرة لا من عينيها وهي تقول بصوت يملئه البكاء لم أحببت غليظ القلب هذا ياربي ،نهضت متثاقله وخرجت بدون ان تلتفت الي والحقيقة اني لم انم ليلتي مستغرباً من الصفعة التي هوت بها على خدي وافكر كيف تجرأت على ذلك والغريب اني لم افعل معها شيئاً ولم انتقم لإهانتي هذه ولكني فكرت جيدا وادركت ان هذه الصفعة قد هوت على الشيطان الذي يسكن في قلبي ويخنق الحب فيه ويبعث بدله الحقد والضغينة للغير فمات هذا الشيطان وحمدت الله ان لم يعد يسكن في قلبي الا الحب ولمن ؟ لزوجتي المسكينة وقمت من مرقدي وذهبت الى مخدع زوجتي ويالهول ما رأيت لقد رأيت وجهاً ملائكياً على الأرض وقد أسلم الروح ووجدت الى جوارها زجاجه سم وانتابتني حاله لم احس بعدها الا وانا اصرخ وخرجت الى الشارع وانا في حالة جنون من شدة الصدمة ولم افق الا وانا في المستشفى لقد جاءوا بي الى هنا
كان المريض بعد ان انتهي من قصته هذه التي يكررها يلتفت الي ويسال هل انا مجنون كما يقولون ؟
وما كاد الراوي ينتهي من سرد قصة صديقه المريض حتى نقلني الى عالم اخر من عوالم النفس البشرية تصورته امامي ووجدت نفسي اردد مع الرجل المريض هل هو مجنون حقاً ام هذه انتباهه من إنتباهات الضمير الإنساني الذي يتحجر زمن طويل حتى إذا صدمه واقع الحياة صدمه عنيفة تفتت تحجره وأصبح دافقاً بالإنسانية والمحبة للآخرين .
بقلم / خضر محمد العلي
سنة / ١٩٦٧ م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق