اخذ الصياد يبتعد بقاربه في عرف البحر فلمح من بعيد شيئاً يطفو على سطح الماء فعمد الى التجديف بسرعة واذا به امام رجل فوق لوح من الخشب وهو في حالة إعياء شديد فساعده الصياد على الصعود الى القارب وأدار الصياد القارب عائداً الى القرية بالغريق بدلاً من الصيد كانت الشمس قد اطلت بأشعتها الذهبية على القرية حين اقترب منها الصياد واخيراً وصل الاثنان الى الشاطئ ونزلوا من الزورق حيث اجتمع الناس عند الشاطئ وكان بينهم عمدة القرية والذي لم يتعرف على الغريق وقال العمدة ان هذا الرجل غريب عن قريتنا ولا نستطيع التحدث معه لأننا لا نفهم لغته وأشار العمدة الى الغريب ليتبعه واخذه الى بيته واطعمه وتركه يستريح مم هو فيه من التعب بينما ارتسمت على وجه الغريب سحابه من القلق وكانه ينتظر اخر فصول حياته والجدير بالذكر ان هذه القرية عباره عن مكان يأتي اليه الناس للاستمتاع بالراحة والهدوء الذين تمتاز بهما هذه القرية وما ان سمع اهل القرية بهذا الخبر حتى توافدوا الى بيت العمدة لرؤية ذلك الغريب الذي لا يتحدث لغتهم وظلوا يراقبونه بتطفل مم زاد الغريب ضيقاً بتصرفاتهم وفي هذه الاثناء اقبل العمدة وقد اتى معه بشخص يتكلم عده لغات واخذ المترجم يجرب مع الغريب جميع اللغات حتى عثر على اللغة التي يفهمها فما كاد ينطق اول عباره حتى انفجرت اسارير الغريب وراح ينظر الى المترجم بلهفة واخبره بقصته
فقال : اني فقير لدرجة العدم وقد قررت ان اهاجر من بلدي الى ارض الله الواسعة لعلي اعود بالنفع على نفسي واسرتي المكونة من زوجتي ووالدتي وابنائي الخمسة والذي شجعني على ترك عائلتي اني كنت اسمع ان الهجرة نافعه ولقد عمت بالخير الكثير على الذين هاجروا وعلى هذا الأساس هاجرت طلباً للرزق وقد سافرت الى بلدان كثيرة وركبت القطارات والبواخر وغيرها من وسائل المواصلات ولكني لم احصل على الرزق المنشود وبينما انا بجولتي هذه فإذا بمرض يهاجمني فجأة في احد البلدان فنقلت بواسطة أهلها الى احدى المستشفيات الحكومية وظللت بالمستشفى عدة شهور حتى اني يأست من الشفاء وقد قررت الرجوع الى اهلي وانا لا اعرف عن طريق بلدي شيئاً غير اسمها واسم زوجتي واطفالي الخمسة
وعرف الحاضرون بالقصة وكانوا يصغون باهتمام الى ما ينقله المترجم عن لسانه وأحس الجميع بالعطف على الغريب الذي لا يعرف طريق بدله ولكنهم ظلوا يتشوقون لمعرفة الدافع الذي دفعه الى عبور البحر معتمداً على لوح من الخشب
وتابع الغريب حديثه وعلى وجهه سحابه من الحزن:
حين كنت بالمستشفى سألت الممرضين عن طريق بلدي التي اقطنها فاخبروني ان الطريق في هذا الاتجاه وعندما شفيت سلكت الطريق المشار اليه وكنت امشي في المساء واختفي في النهار كي لا يراني حرس الحدود لأني عرفت قبل مغادرتي المستشفى ان حرباً قد اضرمت نيرانها في البلدان المجاورة وكنت استعين ببعض الفواكه التي اقتطفها من الحقول لسد جوعي وبعد مسيرة أيام وصلت الى هذا البحر
واتضح فيم بعد ان الرجل الغريب من القرويين السذج وانه كان يقيم بقرية بجانب بحيرة وانه حين وصل الى الجانب المقابل من البحر ظن انها بحيرته التي تقع قريته على ضفافها فاستعان بلوح من الخشب على عبورها
وفي نهاية حديثه استفسر الغريب هل المسافة بعيدة عن قريتنا وهل أستطيع ان اصل اليها الليلة سيرا على الاقدام؟
وحين نقل المترجم هذه الجملة للحاضرين ضحك الجميع وقالوا مسكين انه لا يعرف ان هذه الأراضي تبعد عن بلده الاف الاميال وتحول ضحك الحاضرين بسرعة الى صمت حزين واخذ كل منهم يتبرع له بالمال وبدأوا يفكرون في مصير ذلك الغريب بينما ابلغ العمدة السلطات المختصة بم حصل وتعهد العمدة بإيوائه واطعامه لمده أسبوع حتى تتخذ السلطات اللازم بشأنه وكان الغريب طول تلك المدة التي كانوا يتجادلون بشأنه فيها ينظر الى المترجم فهو الوحيد الذي يستطيع ان يفهمه الأمور بوضوح وكان يشعر ان دخوله لهذه القرية قد سبب لاهلها بعض الحرج فرفع يديه الى المترجم كمن يبتهل فطمأنه المترجم بأن لا خوف عليه مادامت السلطات لم تبت في امره بعد وانه يستطيع ان يعيش دون ان يضايقه احد وانحنى الرجل الغريب للرجل شاكرا وانصرف المترجم وبذلك غاب عن الغريب الخيط الوحيد الذي كان يستعين به على معرفه ما يحيط به من أمور مبهمة وعاد الحزن من جديد يستولى على الرجل الغريب وظل جالساً بالبيت ساكناً لا يتحرك يحدق في الفراغ وكان الأطفال يختلسون النظر من النافذة التي يجلس بجانبها مطلاً على الشارع وكانوا يتعجبون من الرجل الذي لا يفهم لغتهم
وحين اقترب وقت الغداء اقبل العمدة وصحبه الى قاعه الطعام وجلس الرجل الغريب يسمع حديثهم دون ان يفهم كلمه مم يقولون فهم رغم اختلاف اشكالهم يستطيعون ان يتفاهموا اما هو فغريب عنهم وهكذا سقطت دمعه على خده واخذ يدير راسه في وجوه الحاضرين وهو يحاذر ان لا تلتقي عيناه بعيني احدهم واحس انه لا يستطيع البقاء في غرفة الطعام فنهض قبل ان يفرغ من طعامه وتوجه بصمت الى غرفته وظل قابعاً فيها وحين اوشكت الشمس على المغيب خرج الغريب دون ان يشعر به احد وسلك الطريق المؤدي الى القرية وظل ينتقل من بيت الى اخر حتى عثر على بيت المترجم فقال له الغريب : ارجو المعذرة سيدي لقد سببت لك متاعب كثيره ولكن الشئ الوحيد الذي اود ان اعرفه منك هل استطيع العودة الى زوجتي وأطفالي ؟
فأجابه المترجم: كلا لا تستطيع مادامت الحرب قائمه
فقال الغريب: وهل المسافة بعيده من هنا حتى قريتنا
فأجابه المترجم: نعم ان بينك وبين قريتك عدة شهور
فال الغريب: باستطاعتي ان امشي كثيراً وطول المسافة لا يتعبني في سبيل الذهاب الى زوجتي واطفالي
فأجابه المترجم: هذا غير معقول انهم يمنعون أي انسان من اجتياز الحدود ولا مجال للذهاب حتى تنتهي الحرب
فقال الغريب: سيدي لقد صبرت أكثر مم ينبغي ارجو ان تدلني على طريق بلدي فقط وسأحاول الذهاب اليها مهما يكلفني الامر
فأجابه المترجم: لا يوجد طريق وسيوقفونك عند الحدود ويجبرونك على العمل في الميدان
فقال الغريب: الا يستطيع أحد ان يساعدني
فأجابه المترجم: لا يستطيع ان يساعدك أحد الان
وتدلى رأس الغريب وقال بصوت يائس اشكرك ياسيدي ثم استدار ومضى يمشي وظل المترجم يتبعه بنظراته حتى غاب عنه
وقد اتجه الغريب الى البحر الذي قدم منه والقى بنفسه يائساً مم هو فيه
وبينما كان الصياد على عادته يصطاد وإذا بشيء يطفو على سطح الماء فاقترب منه فاذا هو امام جثة ذلك الغريب فنقلها الى القارب وعاد الى القرية في هذه المرة يحمل جثة هامده
ودفن الغريب في مقابر القرية وبم انه غريب فقد اكتفوا بوضع عبارة (الجندي المجهول)
على قبره.
بقلم / خضر محمد العلي
سنة / ١٩٦٤ م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق