كان الربيع قد اقبل ولمس كل شئ في الصحراء بكفه السحرية ... السماء الصافية ... الخضرة الشاملة ... وثغاء الحملان ... وزقزقة العصافير .. كما كسب نضارته على وجه عفراء وهي تحمل الجرة تتمايل بها نحو الغدير وتترنم بأغنية من أغاني الربيع كذلك بث الربيع فتونه في الشاب ضيدان فتفجر قوة وحيويه وهو يتبع عفراء عن كثب
كانت عفراء تطلق الضحكات من أعماق قلبها رقراقة كخرير الجداول وتقفز كضبيه لا تكاد قدمها تلمس الأرض وكانت تتيه بالقرط الذي يتدلى من أذنيها وهي تملأ الدنيا شدوا وتقبل عيناها الصحراء المترامية أمامها والسماء المبسوطة فوقها حتى الهواء كادت توسعه ضما وتقبيلا من فرط نشوتها بالحياة
ومما زاد في علو قدرها بين بنات قبيلتها أنها تملك صوتا رخيما تترنم به في انطلاق على السجية بأغنيات رقيقه كالشعر وبينما عفراء جالسه عند الغدير تغني لنفسها وهي تملأ جرتها بالماء إذ أقبل ضيدان ولمحته مقبلا ووقف عند رأسها مسلما بكل احترام وكان جوابها له أن رفعت رأسها ونظرت إلى وجهه تتأمل سمرته وانفه الأشم وطابع الرجولة والشباب البادي عليه وعندما رآها تسبل جفنيها بعد أن تفحصته من رأسه إلى قدمه سألها هل تقبليني زوجا لكي يا عفراء؟ فاندفع الدم يلهب وجنتيها ثم نهضت ببطء وواجهته ممشوقة القد ناهده الصدر تضم ذراعيها على كنزيها النافرين وكأنها تحتضنهما خوفا عليهما من الفرار وعندما لمحته يراقبها والها لا تفوته منها حركه ولا التفاته أحست عفراء أن هناك نارا تضطرب في أعماق عينيه العسليتين فانحنت على جرتها وقالت له وهي تحملها قبلتك زوجا يا ضيدان ...
وكيف لا تقبله زوجا وهو من خيرة أبناء قبيلتها وكل فتاة تتمناه زوجا لها وهاهي تفوز به من دونهن وهي تعلم انه يكن له من الحب الشي الكثير وقد سمعت عن غرامه بها من بعض فتيات القبيلة
كيف لاترضى به زوجا وهو الذي أتى بنفسه يطلب يدها وقد بانت الفرحة في عينيها فلم تستطيع أن تخفيها عنه بينما انشق ثغر ضيدان عن ابتسامه تفيض سعادة غرقت فيها قسمات وجهه كلها ومال نحوها يقبض على يديها براحتيه الكبيرتين في خشونة وتلهف وحدجته غضبا وسحبت يديها من راحتيه وهي تقول : اوملكتني يا ضيدان ؟
فأرخى ضيدان رأسه خجلا وهتف يسترضيها أغضبت يا عفراء ؟ سماحا : ثم أردف ونظراته بعيده : لو علمت ما فعل الهوى بقلبي لعذرتِ
فبانت على شفتيها ابتسامه وهمست : سامحتك يا ضيدان فأختطف كفها يمرغ به وجهه وهي تنظر إليه بحنان حتى هدأ شيئا فشيئا ثم سحبت كفها منه وضمته إلى صدرها ودارت على عقبيها مبتعدة عنه تمشي الهوينا فتبعها كالأسير دون أن يسألها كأنه عبد يتلذذ بعبوديته
أوغلت عفراء جادة في السير حتى تركت مضارب خيام قبيلتها وصعدت على إحدى الروابي الواقعة في الصحراء وهي لاتلوي على شئ .. وفجأة انطلقت تعدو من شده السرور بسرعة والهواء يلفح وجنتيها ويبعثر شعرها وفجاه جثت على ركبتيها وهي تلهث وعيناها زاخرتين ببريق عجيب فارتمى ضيدان عند قدميها وهو يلهث أيضا من شدة العدو خلفها وفي هذه اللحظة وهما جالسان عند التلال الرملية بزغ القمر وبسط رداءه النضر على الكون كله من اجلهما ثم راح يراقبهما مبتسما فرفع الحبيبان وجهيهما إليه في صمت وتبتل ثم أرخت عفراء عينيها فقامت تنفض عن ثيابها الرمل وتلملم شعرها تحت خمارها فقال لها ضيدان في ابتهال وهو متشبث بثيابها : بربك لنبقى قليلا يا عفراء فتأملته ثم انفجرت ضاحكه تقهقه وقالت له : قم يا مفتون أم تراك نسيت الخطوة الثانية ؟ عليك بأبي تخطبني منه كبنات البادية الاصايل
وفجأة انقضت عليه واختطفت منه غطاء رأسه ثم انطلقت كغزال شرود من تل إلى آخر وهي تصيح به : الحق بي تأخذها وتأخذني معها فهب ضيدان وامسك ذيل ثوبه بين أسنانه يعدو بكل ما أوتي من قوه وسبقته هابطه من إحدى التلال كالشهاب المنطلق إلى السفح حيث خيام القبيلة فتوقف ضيدان يراقبها بإعزاز وفخر وبسط هو الآخر ذراعيه كالطائر وألقى بنفسه خلفها من فوق التل المرتفع واستقبلته عفراء وهي تضحك من منظره وهو يتدحرج إلى أسفل فأضطرب قلب الفتاه وعربد في صدرها فمدت يدها إلى قدميه تعفرهما بذرات من الرمل وهي تقول مداعبه : انهض يا فارسي الجميل
ثم سارعت عائده إلى مخيم قبيلتها يطاول رأسها السماء وأمام خيمة شيخ القبيلة والد عفراء وقف ضيدان وسلم على الحاضرين وقبل أن يجلس ومن فرط انفعاله قال لشيخ القبيلة بصوت مرتفع يسمعه الجالسين جميعا : جئت إليك يا شيخنا طالبا يد ابنتك عفراء فابتسم الشيخ وربت على كتف ضيدان وأفسح له محلا بجانبه وقال له : عفراء ابنتي وأنت ابني والله الموفق وزاد ضيدان على طلبه وقال : أريدها ألليله وفي صمت تنحنح الشيخ وحك رأسه طويلا ليعطي لنفسه مجالا للتفكير فسأل ضيدان : الليلة تريد أن تكون عفراء زوجه لك فقال ضيدان : نعم الليلة وسوف ألا انتظر للغد
فهز الشيخ رأسه وراح يقهقه وهو يعلم انه أمام قصة غرام فعليه أن يدير دفتها بين أمواج المشاعر المتلاطمة إلى شاطئ الأمان وسأل ضيدان هل خطبت عفراء من نفسها فأومأ برأسه بالإيجاب دون أن يتكلم فقام والد عفراء إلى خيمتها ومعه شيخان ليشهد على قبولها بضيدان زوجا لها فلما عاد كانت عفراء معهم في جمع من النسوة يطلقن زغاريد البهجة ويهللن ويصفقن فرحات فرفع شيخ القبيلة كفه عاليا فساد السكون وقال موجها كلامه للعريس : ياضيدان لقد قبلتك عفراء زوجا لها فهلل الرجال وكبرو وجاءت النسوة بطبول يضربن عليها وكان صوتها مدويا رنانا على حين اندفعت صبايا من أتراب عفراء يرقصن كظباء كل واحده ممسكه بسيف وصارت النسوة يغنين ويضربن على الدفوف ويرددن أغاني البادية لهذه المناسبات وبسط ضيدان عباءته في صمت فمشت عفراء إليه واستكانت تحت جناحه وقد لفها بعباءته وأخذها وذهب موغلا في أعماق الصحراء حتى اختفيا عن مضارب القبيلة التي ظلت حتى طلوع الفجر تغني وترقص فرحة بهذه المناسبة.
بقلم / خضر محمد العلي
سنة / ١٩٥٣م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق